د. خالد العزي
شهدت أسعار خام الأورال الروسي انخفاضًا ملحوظًا وصل إلى 34 دولارًا للبرميل، ولكن مع الحسومات لتشجيع المشترين على تجاوز حاجز العقوبات يصل السعر أحياناً إلى حدود لـ 27 دولارًا للبرميل.
تساؤلات طحها العاملون في أوساط الطاقة: حول إمكامية أن تتمكن روسيا من التكيف مع هذه الظروف الصعبة.
انخفاض سعر النفط الروسي يعود إلى أسباب عديدة: من أبرزها العقوبات الأمريكية المفروضة على الشركات النفطية الروسية الكبرى مثل “روس نفط” و”لوك أويل”، وهو ما أثّر على قدرة روسيا على الوصول إلى أسواق معينة. بالإضافة إلى بدء تطبيق العقوبات على ما سُمي بأسطول الشبحي» وهي ناقلات النفط التي تحاول تهريب شحنات النفط وتجاوز مرافئ تطبق العقوبات الأميركية والأوروبية.
ومع تصاعد الأزمة الأوكرانية، بدأت أوكرانيا في استهداف ناقلات النفط الروسية في البحر الأسود، مما أدى إلى زيادة تكاليف الشحن والتأمين. كما أن تراجع أسعار النفط العالمية كان له دور كبير في تفاقم الأزمة، حيث وصل سعر خام برنت إلى ما دون 60 دولارًا للبرميل، مما جعل الحسومات على النفط الروسي يتزايد.
الخصم على أسعارالنفط الروسي: واقع غير مستدام؟
في الوقت الحالي، يتراوح الخصم على النفط الروسي بين 27 و30 دولارًا للبرميل مقارنةً مع خام برنت. هذا الرقم يثير التساؤلات حول تأثيره على الاقتصاد الروسي، حيث يعتبر هذا الحسم الكبير بمثابة تحدي حقيقي للقطاع النفطي في روسيا. ومن المعروف أن الحسومات ليست ثابتة، فقد شهدنا في فترات سابقة حسومات تجاوزت 30 دولارًا للبرميل، حينما كانت روسيا تتحول من السوق الأوروبية إلى السوق الهندية. ورغم أن النفط الروسي لا يزال قادرًا على بيع كميات معينة بأسعار منخفضة، إلا أن الوضع الاقتصادي يظل صعبًاً في هذه الظروف.
يتوقع الخبراء أن يستمر الحسم على النفط الروسي في النصف الأول من عام 2026، حيث يُتوقع أن يتجاوز 10%، أي ما يعادل 15 إلى 25 دولارًا للبرميل، بسبب استمرارية العقوبات والمخاطر المتعلقة بشحن النفط. ومع مرور الوقت وتعديل مسارات الشحن، من المحتمل أن يتقلص هذا الخصم إلى 10-15 دولارًا للبرميل في النصف الثاني من عام 2026. في حالة السيناريو السلبي، إذا تم تشديد ضوابط الأسطول أو الدفع، قد يستمر الخصم في حدود 20-30 دولارًا لفترة أطول. أما في السيناريو المتفائل، في حال تحسن وضع السوق وارتفاع الطلب في آسيا، فإن الخصم قد يعود إلى مستويات أكثر
استقرارًا تتراوح بين 7-12 دولارًا للبرميل.
وعلى الرغم من أن الخصم الكبير على النفط الروسي يمثل تحديًا للجانب الروسي، إلا أنه يفتح الباب للعديد من الأطراف الأخرى للاستفادة من هذه الفروقات الكبيرة في الأسعار. وفقًا للخبراء، فإن المستفيدين الرئيسيين من هذا الخصم هم الوسطاء الذين يتعاملون مع النفط الروسي، بما في ذلك مالكو الأساطيل البحرية، مشغلو الشحن، شركات التأمين، والتجار. هؤلاء يحصلون على النفط بأسعار أقل بكثير من البدائل، وهو ما يتيح لهم الاستفادة من الفرق الكبير بين أسعار البيع في ميناء الشحن والميناء النهائي. وبالتالي، لا يذهب الخصم الكامل لصالح المشتري، بل يذهب جزء منه إلى تكاليف الشحن والتأمين والخدمات اللوجستية.
أثر انخفاض الأسعار على الميزانية الروسية
على الرغم من أن معظم الإنتاج الروسي لا يزال مربحًا عند سعر 34 دولارًا للبرميل، إلا أن انخفاض الأسعار له تأثيرات سلبية على الاقتصاد الروسي بشكل عام. من المتوقع أن تؤدي هذه الخصومات الكبيرة إلى انخفاض عائدات الضرائب الناتجة عن صادرات النفط والغاز بشكل ملحوظ. في ميزانية عام 2026، كانت الحكومة الروسية قد اعتمدت على سعر نفط الأورال بقيمة حوالي 59 دولارًا للبرميل، مما يعني أن الانخفاض الكبير في الأسعار سيؤدي إلى انخفاض حاد في الإيرادات النفطية. ويُتوقع أن تصل إيرادات الضرائب إلى أدنى مستوياتها منذ عام 2022، مما قد يشكل تحديًا ماليًا لروسيا في المستقبل.
في النهاية، يُعتبر الوضع الحالي في قطاع النفط الروسي تحديًا طويل الأمد، خصوصًا مع استمرارية العقوبات والعوامل الخارجية التي تؤثر على الأسعار. على الرغم من أن بعض الخبراء يتوقعون تراجع الخصم على النفط الروسي مع مرور الوقت، إلا أن الوضع سيظل هشًا طالما استمرت الضغوط من الحرب الأوكرانية والعقوبات. وفي الوقت نفسه، يظل النفط الروسي عنصرًا حيويًا للاقتصاد الروسي، ولكن قدرة روسيا على التكيف مع الظروف الجديدة وتحقيق الاستقرار الاقتصادي ستعتمد على كيفية التعامل مع هذه التحديات وتطوير حلول بديلة لسلاسل التوريد والشحن.
د.خالد العزي