بسام خالد الطيارة
يواجه النموذج الأمريكي الإسرائيلي للحرب عن بُعد تحديًا في حرب ذات طبيعة مختلفة تمامًا.
هذه الحرب أعدتها إيران وخططت لها قبل أكثر من عشرين عامًا. ولتقييم ميزان القوى الحقيقي، لا بد من النظر إلى استعدادات كلا الطرفين المتحاربين. فنكتشف أن طبيعة كل طرف ومنطقه العسكري يختلف اختلافًا جوهريًا عن الآخر.
تشن الولايات المتحدة وإسرائيل حملات قصف مكثفة، حيث تُسقطان كميات كبيرة من الذخائر على إيران. ولكن ما هي أهدافهما العسكرية، وما هي المرحلة الثانية التي يُمهد لها تدمير هذه الأهداف؟
من جهة أخرى، بدأنا نفهم أن لدى إيران خطة حرب تُوصف في كتب الاستراتيجية بـ”الحرب غير المتكافئة” asymetric، والتي تعني ببساطة مواجهة الضعيف للقوي، إذ لا مجال للمقارنة بين القوة الهائلة للحلفاء الأمريكيين والإسرائيليين وما تستطيع إيران مواجهته.
دعونا نرى ما تفعله طهران للدفاع عن نفسها، علمًا بأنه بحلول اليوم الثالث من الهجوم، تم تدمير جميع المعدات العسكرية «الظاهرة».
لكن إيران تواصل هجماتها، وفقًا لخطة لا تزال في مراحلها الأولى، وتتقدم تدريجيًا نحو التنفيذ الكامل.
ويشير المراقبون (وخاصة في أوساط الاستخبارات الأمريكية) إلى أن إيران لم تكشف بعد عن ترسانتها الصاروخية الكاملة: لا عن أحدث صواريخها، ولا غواصاتها المسيّرة، ولا زوارقها الصاروخية المضادة للسفن. هذه الأسلحة، التي تم إدراج لوائحها بناءً على معلومات من مصادر إسرائيلية وغيرها،ولكن لا تزال مخفية! لماذا؟
من هنا الجهل بالمدى الكامل لقدرات إيران، ولا يمكننا حتى الآن التنبؤ بتأثير نشرها الكامل على مسار الحرب سلباً أم إيجاباً.
ويتكرر النمط نفسه مع حزب الله. فقد أشارت التقديرات الإسرائيلية والتقارير الاستخباراتية إلى أن هذا الحزب ” العنيد” انهار في حرب ٢٠٢٤ وتشت مخزونه الحربي، ولكنه يبدو الآن بكامل قوته، وبدأ هجومه في فاصل وقتي دقيق جداً.
كذلك قامت حركة النجباء، وحزب الله العراقي، وكتائب سيد الشهداء، وكتائب أنصار الله العوفية، وجميعها جزء من المقاومة الإسلامية، بتنفيذ هجمات في خيار مبرمج التوقيت، حيث قصفت قواعد فرنسية وأمريكية، حتى في الكويت.
يبدو أن الحوثيين ينتظرون الضوء الأخضر لإغلاق مضيق باب المندب، بالتوازي مع حصار مضيق هرمز.
وتبدو هذه الجبهات وكأنها ضمن الاستراتيجية الإيرانية غير المتكافئة، الممتدة حتى “محور المقاومة”. وهذه الاستراتيجية قامت من خلال مراقبة حملة القصف الأمريكية المكثفة في العراق، والتي استمرت ثلاثة أسابيع عام ٢٠٠٣. فبعد القضاء على القيادة العسكرية العراقية المركزية، انهار هيكل جيش صدام حسين بالكامل.
بعد حرب العراق، كان السؤال الذي واجه الإيرانيين هو كيفية الحفاظ على بنية عسكرية رادعة في ظل افتقارهم – وعدم قدرتهم على امتلاك – قدرة جوية تضاهي قدرة الأمريكيين. وقد ازداد هذا الأمر أهميةً بالنظر إلى قدرة الولايات المتحدة على رصد كامل البنية العسكرية الإيرانية بفضل كاميراتها الفضائية عالية الدقة.
لذا، تمثلت المقاربة الأولية في تقليص مساحة البنية العسكرية الإيرانية الظاهرة (كما عند حزب الله) والمرئية من الفضاء؛ إذ كان لا بد من دفن مكوناتها في أعماق الأرض، بعيدًا عن متناول معظم القنابل (استراتيجية الأنفاق).
كان الرد الثاني هو أن الصواريخ المدفونة في أعماق الأرض يمكن أن تُشكّل بالفعل “قوة جوية”، أي بديلاً عن القوات الجوية التقليدية. فقد دأبت إيران على بناء وتخزين الصواريخ لأكثر من عشرين عامًا!
وبفضل أبحاثها المكثفة في تكنولوجيا الصواريخ، صنّعت إيران نحو عشرة نماذج مختلفة من صواريخ كروز والصواريخ الباليستية. بعضها فرط صوتي، وبعضها الآخر يحمل مجموعة من الذخائر المتفجرة الموجهة (للتهرب من أنظمة الدفاع الاعتراضية). ولديها مخزونات تضم آلاف الصواريخ من جميع الأنواع.
تُطلق الصواريخ الكبيرة من صوامع تحت الأرض منتشرة في جميع أنحاء إيران (وهي دولة ذات مساحة كبيرة، غنية بالسلاسل الجبلية والغابات). في لبنان واليمن، تمتلئ الجبال بالكهوف والممرات بين شقوق الصخور. كما تُنشر صواريخ جو-بحر في شبكة كثيفة على طول الساحل الإيراني.
أما الرد الثالث فكان إيجاد حلٍّ لعدم تكرار عملية إسقاط قيادة صدام حسين العسكرية خلال العملية المروعة عام 2003.
في عام ٢٠٠٧، بدأ تطبيق عقيدة “الفسيفساء”. تقوم فكرتها الأساسية على تقسيم البنية التحتية العسكرية الإيرانية إلى قيادات إقليمية مستقلة، لكل منها مستودعات ذخيرة وصواريخ خاصة بها، وقواتها البحرية وميليشياتها عند الضرورة.
تلقى القادة خططًا قتالية مُعدَّة مسبقًا، بالإضافة إلى تفويضهم بشن عمل عسكري بمبادرة منهم في حال وقوع هجوم يستهدف اغتيال القيادة العليا في العاصمة. وكان من المفترض تفعيل هذه الخطط والبروتوكولات تلقائيًا عند اغتيال المرشد الأعلى، وهو ما حدث بالفعل.
وقد عالجت عقيدة “الفسيفساء” أي ضعف يصيب هيكل القيادة المركزي، إذ وُزّعت القيادة على مستويات متعددة لتجنب أي جمود في حال وقوع هجوم مفاجئ.
باختصار، تعمل الآلة العسكرية الإيرانية، في حال توجيه ضربة حاسمة، بشكل رد فعل آلية بعيداً عن مركزية القرارات بشكل لا يمكن السيطرة عليها من قبل الغزاة.
هكذا بدأت إيران بتطبيق هذه الاستراتيجية أي الحرب غير المتكافئة شبه المثالية، فتمتص الهجمات الأولية قبل مهاجمة القواعد المحيطة بها في دول الخليج، وتدمير أنظمة الرادار، والحفاظ على سيطرتها على مضيق هرمز، مع الحفاظ في الوقت نفسه على قدراتها الصاروخية.
تجد الولايات المتحدة وإسرائيل نفسيهما في موقف بالغ الصعوبة، لأنهما لا تعرفان سوى نوع واحد من الحرب: القصف الجوي للأهداف، وقد فشلتا في تدمير قواعد الصواريخ تحت الأرض. وهما الآن تواجهان إيران القابعة في موقع استراتيجي ممتاز، تخوض الحرب بشروطها وجدولها الزمني الخاص.
يبدو أن قرار القيادة الإيرانية الاستراتيجي بإعطاء الأولوية لحرب طويلة الأمد مباشرةً ينبثقا الإدراك، أن الجيوش الغربية مصممة على نهج “إطلاق النار ثم الانسحاب” في حروب سريعة لتجنب إثارة غضب الرأي العام الغربي.