- أخبار بووم - https://www.akhbarboom.com -

فرنسا: الحرب غير المتكافئة بتغطية إعلامية غير متكافئة

لأول مرة منذ حرب الخليج الأولى عام ١٩٩١ ينتفض صحافيون أمام التعامل الإعلامي للحرب في الشرق الأوسط

صحافة مرئية، مسموعة ومكتوبة

**رأي: نحن، صحفيون مستقلون ووسائل إعلام مستقلة، ننأى بأنفسنا عن التغطية الإعلامية للحرب في
الشرق الأوسط.**
نحن صحفيون ومراسلون ومصورون صحفيون مستقلون نعمل لدى وسائل إعلام مستقلة في فرنسا وعلى الصعيد الدولي. منذ الهجمات المشتركة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، وكذلك الحرب التي بدأت في لبنان في الثاني من آذار/مارس، نشهد، بغضب شديد، تغطية إعلامية معيبة، ناقصة، غير متوازنة، وفي كثير من الأحيان، متهاونة، تُحابي روايات رسمية معينة.

هذا القصور ليس بجديد، بل هو جزء من تاريخ طويل من الصراعات المستمرة، لا سيما في جنوب لبنان والأراضي الفلسطينية المحتلة وقطاع غزة، حيث تبقى المعالجة الإعلامية على حالها بشكل منهجي: تبسيطية، متحيزة، ومتكررة، تُوحي بوجود صراع “جديد” مع كل تصعيد، بينما هو في الواقع استمرار مأساوي يتم تجاهله أو التقليل من شأنه.

نطالب بأن لا تُقابل الحرب غير المتكافئة بتغطية إعلامية غير متكافئة.

دون تعميم على جميع وسائل الإعلام، من الواضح أن العديد من الصحف والمجلات والقنوات التلفزيونية والإذاعية تقدم تفسيراً جزئياً لهذا الحدث الجلل، الذي له تداعيات إنسانية وسياسية وجيوسياسية بالغة.

لا نفهم الخيارات التحريرية المتعلقة بالضيوف المدعوين للتعليق على هذه الأحداث. ففي كثير من الأحيان، تشغل الاستوديوهات معلقون غير مؤهلين بما يكفي لتحليل أوضاع بهذه الدرجة من التعقيد. إلا أن تغطية هذه الصراعات تتطلب معرفة دقيقة بالوضع على أرض الواقع، وإلماماً بالسياقات التاريخية، والقدرة على توظيف تحليل جيوسياسي متين.

كما ندين غياباً صارخاً للتعددية.

فكثيراً ما يهيمن الممثلون الإسرائيليون، كضيوف في وسائل الإعلام، رغم أن رئيس الحكومة مطلوب بموجب مذكرة توقيف دولية. وفي الوقت نفسه، يُهمّش الممثلون السياسيون للأطراف الأخرى المعنية، أو يُستبعدون، أو يغيبون عن المنابر الرئيسية للنقاش.

يساهم هذا التفاوت في الوصول إلى المجال العام في تشكيل التصور العام وإضعاف فهم الصراع.

ندين بشدة التعليقات التي تُبث في البرامج التلفزيونية، والتي غالبًا ما تكتفي، تحت ستار التحليل، بتصريحات مبهمة أو ذات توجهات أيديولوجية. فهي تُسهم في تجريد الضحايا من إنسانيتهم، واختزال القتلى الإيرانيين واللبنانيين والفلسطينيين بمجرد إحصائيات، منفصلة عن أي واقع إنساني أو اجتماعي أو تاريخي.

كما نود لفت الانتباه إلى التباين الكبير في استخدام المصطلحات من قِبل الأطراف المعنية. فبينما يُوصف البعض بأنهم “يموتون”، يُوصف آخرون بأنهم “قُتلوا”، أو حتى “اغتيلوا”. وبينما تُعرض بعض العمليات على أنها “ضربات وقائية”، تُصنف عمليات أخرى فورًا على أنها “هجمات”. هذه الخيارات اللغوية ليست محايدة، بل تُرسخ ضمنيًا تسلسلًا هرميًا للأرواح، وتؤثر على التفسير الأخلاقي للأحداث.

وبالمثل، فإن استخدام مصطلح “الإجلاء” لوصف عمليات النزوح الجماعي للسكان المدنيين يستدعي التدقيق. فعندما يكون هذا النزوح قسريًا، أو مُنظمًا تحت التهديد، والقصف، فإنه يندرج تحت طائلة  القانون الدولي الإنساني باعتباره عمليات نقل قسري، أو حتى ترحيل وتطهير عرقي. تنص المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة صراحةً على حظر “الترحيل القسري الفردي أو الجماعي، وكذلك ترحيل الأشخاص المحميين من الأراضي المحتلة”، باستثناء حالات الضرورة الأمنية القصوى – وهو استثناء محدد بدقة لا يمكن توسيعه ليشمل سياسات التهجير العام.

نشعر بالغضب إزاء تكرار بعض المعلومات الصادرة عن السلطات الأمريكية أو الإسرائيلية دون تمحيص نقدي، وأحيانًا في الوقت الفعلي، بينما يتم التقليل من شأن الحقائق الموثقة المتعلقة بانتهاكات القانون الدولي المنسوبة إلى هذه الجهات نفسها، أو تجاهلها، أو إحاطتها بشكوك مفرطة.

إن هذا التفاوت في التعامل مع الأدلة يقوض مصداقية العمل الصحفي.

نشعر بالقلق أيضاً إزاء تزايد عدد المعلقين الذين لا يسعون إلى إثبات الحقائق، بل إلى التعبير عن مواقف أيديولوجية. هذا التحول يطمس الخط الفاصل بين المعلومة والرأي، مما يُنذر بتحويل بعض وسائل الإعلام إلى غرف صدى أو أدوات لإضفاء الشرعية السياسية.

في هذا الصدد، ندعو زملاءنا العاملين في التلفزيون والإذاعة والصحافة المطبوعة، ممن لديهم جمهور واسع، إلى الاضطلاع بمسؤولياتهم. ويستند التزامهم إلى مبادئ واضحة، ولا سيما المبادئ المنصوص عليها في ميثاق ميونيخ: السعي وراء الحقيقة، والتحقق من الحقائق، والاستقلال عن القوى السياسية والاقتصادية، ورفض التلاعب.

نحثهم على تجنب الوقوع في فخ الرقابة الذاتية، سواء كانت مفروضة أو داخلية أو هيكلية، والتي غالباً ما تؤدي إلى تشويه المعلومات أو تبسيطها أو تحريفها. بهذا السلوك، يُنتهك الحق الأساسي للمواطنين في الحصول على معلومات حرة وكاملة ونزيهة.

الإعلام ليس مجرد نقل للمعلومات. الإعلام ليس تصنيفاً للأرواح. الإعلام ليس انتقاءً للكلمات لخدمة سردية مهيمنة. إنّ التوعية تعني توفير الفهم، بدقةٍ وأمانةٍ وشجاعة.

اليوم أكثر من أي وقت مضى، في مواجهة صراعات بالغة الخطورة، تبرز مسؤوليتنا الجماعية.

لائحة الموقعين (اضغط هنا)