الرئيسية » رأي » غادة اليافي »

أيُّ قانون انتخابات؟ ولأيّ هدف؟

غادة اليافي
إذا لم يؤد القانون الإنتخابي إلى تكريس الديمقراطية ولم يحرص على إشراك المواطن في صنع القرار، فهو لن يخدم سوى حفنة صغيرة من الأفراد الذين سيحافظون على قانونهم ويواصلون تلاعبهم بالسواد الأكبر من الشعب…
سأحاول في هذا الفصل أن أعرض الإطار الديمقراطي العام للإنتخابات وميّزات هذا الإطار، ثم أعرض العناصر السلبيّة للممارسة الشكليّة للديمقراطية في لبنان وغياب الآليات الديمقراطيّة الحقيقيّة وتحديدًا على صعيد الإنتخابات ثم أنتهي بعرض نقاط أساسيّة لأي قانون انتخابي عادل.

1-     الإطار الديمقراطي العام للإنتخابات وميّزات هذا الإطار
النظام في لبنان ديمقراطي. وتكمن قيمة الديمقراطية في الأهميّة التي توليها إلى حقوق الشعوب. فهي الضامنة للحرية وللعدالة وهي الوسيلة الأنجح لتوفير تطوّر اقتصاديّ متوازن.
ويقتضي النظام الديمقراطي احترام بعض المعايير، ومن أبرزها: سيادة الشعب واختيار ممثيله في السلطة عن طريق انتخابات حرّة ؛ الفصل بين السلطات التنفيذيّة، التشريعيّة والقضائيّة؛ المساواة أمام القانون حيث كل مواطن يخضع للأحكام ذاتها، وكذلك الأمر بالنسبة لمن يسنّ القانون والمولج بتطبيقه ؛ ضمانة الحريات الأساسيّة في المعتقد والرأي والصحافة والإجتماع ووجود معارضة سياسية منظمة ولها حريّة التعبير وتأمين تناقل السلطة وتوافر صحافة مستقلّة وإعلام مسؤول.

2- بعض العناصر السلبيّة للممارسة الشكليّة للديمقراطية في لبنان:
•    –    فسيادة الشعب تطيح بها انتخابات غير تمثيليّة بسبب المال السياسي، ومصادرة الإعلام من قِبَل الأغنياء وغياب المراقبة الحقيقيّة والمحاسبة. وبالرغم من سريّة الإقتراع بالمبدأ، نلاحظ في الواقع أنَّ المرشحين يعرفون من يقترع أو لا أثناء العملية الإنتخابيّة وإقتصار الأحزاب السياسية على الإقطاعيّة وضعف تمثيل الأحزاب الأخرى أو محدوديّة تأثيرها وطغيان الأهواء الطائفيّة. وبهذه المناسبة، أسأل ماذا عساها تكون حقوق الطوائف غير حريّة العقيدة ممارسة الطقوس؟؟
•    –    من معوقات العملية الإنتخابية والتمثيلية إجبار الناخب الإدلاء بصوته  في مكان سجل نفوسه وليس مكان اقامته. لذلك العنصر سلبيات ، ليس فقط في صعوبة التنقل يوم الإنتخاب بل أيضاً وخاصةً بتشجيع الخطاب السياسي الفئوي  للمرشح، أو الطائفي ، حيث يصبح الخطاب يهدف الى  إستقطاب الأكثرية من الناخبين المحليين. والمعلوم أن كلما عاش الإنسان في مجتمع أكثر إختلاطاً ، يكتسب من الإنفتاح والتسامح والقبول بالآخر. فمعظم سكان المدن ذوي سجلات النفوس في قرى بعيدة عن مكان اقامتهم – وهم الأكثر إختلاطاً بالغير – يمتنعون  عن التنقل يوم الإنتخاب للإدلاء بصوتهم ، إلا لمنفعة خاصة ، وترجح الكفة للمقيمين الذين تفوق نسبهم نسب القادمين من  المدينة . فالخطاب السياسي في هذا الحال يهدف لإستقطاب الأكثرية فلا يخدم الإنفتاح ولا التطور ولا الحداثة ولا الديمقراطية .
•    –    والمركزيّة القويّة للسلطة تحول دون توزيعها مع وجود مراقبة فعالة ومتبادلة. فتقتصر الحياة السياسية اللبنانيّة على كونها دكتاتوريّة ذات رؤوس طائفيّة متعدّدة. فرئيس الجمهوريّة، غداة انتخابِه، يجب أن ينسى مارونيّته ليصبح الحكم الذي يحرص على احترام الدستور والوحدة الوطنيّة. وقليل من الرؤساء ينجح في ذلك، وإذا حاول أن يفعل، يتنطّح أبناء طائفته ليردّوه إلى حظيرتِهِ الطائفيّة. وللأسف إنَّ دستور الطائف الذي سحب من يد الرئيس السلطة المباشرة، تركه محبطَا بدل أن ينأى بِهِ عن مشادّات السياسة، فأخذ يبحث عن أداة للتأثير على مجلس الوزراء بخلاف الدستور. ورئيس المجلس النيابي يقوم بدور تنسيق الحياة السياسية، ويمنع خفيَةً المراقبة المتبادلة بين أجهزة الدولة مشجّعًا كوتا توزيع الحصص. ومجلس الوزراء، منذ اتفاق الطائف، يأخذ قراراته مجتمعًا. غير أنَّنا شهدنا كيف رئيس مجلس الوزراء القوي بسلطة المال يختزل بشخصه المجلس مجتمعًا، دون أن يوقفه أحَد. و يصبح رئيس مجلس الوزراء ديكتاتورًا إذا أجبَرَ الوزراء على الإنصياع لأوامره. وإذا ألحق به بلديّة العاصمة تصبح كل السلطات في يدِه وكل الأجهزة المتبقّية لا تعود تملك سوى تقديم الطاعة. فتصبح مساءلته مستحيلة. وبالنسبة لوزير الداخليّة، الأمر مماثل بشأن علاقتِهِ مع البلديات وكذلك الأمر بالنسبة لوزير العدل وعلاقتِهِ بالجسم القضائي. ومجلس النواب لا يجتمع للتشريع إلا نادرًا. فلا يعمل إلا لحل مسائل خاصة أو لمتابعة مطالبة مناطقية لا تعني جميع اللبنانيين.
إنَّ تداخل السلطات التشريعيّة التنفيذيّة والقضائيّة يؤدي إلى استتباع القضاة لمن يمتلك مقاليد الحكم. ثم كيف للنائب أن يكون في ذات الوقت المشرّع والمراقب دون أن يغضّ الطرف عن بعض الأمور؟
وتشريع الفساد يؤدّي إلى عدم المساواة أمام القانون. فيصبح تداول السلطة مستحيلا بسبب تقاسمها وهيمنة الطوائف عليها. ولا مراقبة بل اتفاق خفي على اقتسام المغانم. وبغياب الديمقراطية الحقيقية، ساهم القانون بإنشاء أحزاب طائفيّة هدفها الأوّل حماية الطوائف وإعادة إنتاج المجتمع على صورته العتيدة.

3-    عرض نقاط أساسيّة لقوانين انتخابية عادلة.
لصوغ قوانين انتخابية عادلة، أرغب بالتمييز بادئ ذي بدء بين النيابة والبلديّة. فالنائب مسؤول عن سن القوانين وتطويرها، والإشراف على الإدارة العامة، ومراقبة السلطة التنفيذية ومناقشة الموازنات والتصويت عليها والمساءلة وطرح الثقة وانتخاب رئيس الجمهورية. أما عضو مجلس البلدية فيتولى تأمين الخدمات المحلية والتنمية. ولا يبدو إن ممثلي المواطنين في البلديات يتمتعون بوزن كبير في نظر ناخبيهم، ما دامت القرارات الرئيسية تصدر بشكل خاص عن سلطة وزارة الداخلية والبلديات ومالية البلديات تابعة بشكل أساسي للسلطة المركزية. علماً ان ذلك يتناقض مع فصل السلطات ويجب تفويض أعضاء مجلس البلدية بإسداء الخدمات للمواطنين وتلبية مطالبهم وتنمية المناطق وتطويرها.
وتهدف هذه الملاحظات الى التمييز بشكلٍ أساسي بين دور النائب وعضو البلدية وابراز  أوجه الاختلاف بينهما وإيضاحها للمواطنين بغية مساعدتهم على معرفة المهام المتوقعة من كل منهما ووجوب المطالبة بها وانتزاع حقهم.
ولا يمكن تحديد دور النائب طبعاً بإسداء الخدمات التي يطلبها ناخبوه: فإذا عمد الى ذلك داس على صلاحيات لا تعود إليه وعزّز الطابع التبادلي أو التفاوضي الذي ترتديه هذه العلاقة غير الصالحة لأنها تدخل في إطار الفساد. وبالمناسبة، يصبح من الضروري الكفّ عن إسداء أموال للنواب من أجل القيام بأعمال كتزفيت الطرقات التي تخرج تمامًا عم وظيفة النائب وتجعل علاقته بناخبيه مبنيّة على النفعيّة والفساد. في حين، يجب أن تذهب هذه الآموال إلى ميزانيات البلديات التي تشرف بالأساس على الخدمات والتنمية.
كما ينبغي ألاّ ننسى ان النائب عند انتخابه يمثل اللبنانيين جميعاً على الأراضي كلها بصرف النظر عن طائفته أو منطقته. فسن القوانين يهدف الى تحسين ظروف عيش اللبنانيين بأسرهم، لا مجموعة صغيرة من الناخبين ولا المنطقة التي يرشح النائب نفسه فيها أوينتمي إليها. أماّ أعضاء مجلس البلدية فهم المخولون بإسداء الخدمات، وهم يمثلون المناطق التي انتخبوا فيها حصرياًّ ويجهدون لتطويرها. هذا ما يحتاج المواطنون الى فهمه بادئ ذي بدء، وبعدها فقط يمكنهم الموافقة على ما أقترحه في ما يلي كقاعدة للإصلاح الانتخابي.
إذًا ينبغي رفع مشروعي قانون في آن معاً: ففي حين ان الدائرة الصغرى أساسية للتقسيم البلدي، يصلح اعتماد الدائرة الواحدة في الانتخابات النيابية نظراً لاختلاف وظيفة كل من النائب وعضو مجلس البلدية كما اوضحنا في ما سبق.

3- أ-  قانون انتخاب البلديّات
يفترض بالقاعدة القانونية الخاصة بالبلديات ان تكرّس الدائرة الصغرى في الأراضي اللبنانية كافة، على أن تمنح حق التصويت لسكان المنطقة المعنية دون سواهم، الأمر الذي يتيح للمواطنين انتخاب أعضاء في مجلس البلدية يمثلونهم فعلياًّ. لكن هذا لن يصبح ممكناً ما لم يتم تزويد البلديات بالقدرة المالية اللازمة في جوّ من الشفافية. بعبارة أخرى، يتعين على السلطة المركزية الاكتفاء بمهمة الإشراف والامتناع عن اتخاذ القرارات بشأن ما تنفقه البلديات أو لا تنفقه. فإذا كان القانون ينص على ذلك، يتعين بالتالي تطبيقه وإلاّ فيجب تعديله بهذا الاتجاه،  وعندئذ تخضع البلدية لمطالب ناخبيها وأولوياتهم عن طريق لجان متخصصة مثلاً.

3- ب- قانون انتخاب النواب
بموازاة ذلك، تنص قاعدة قانون الانتخابات النيابية على ان يشكل لبنان دائرة واحدة تتاح لكل مواطن فيها امكانية انتخاب عدد محدود من الممثلين يتراوح بين أربعة وستة، على ان يُعتمد العدد نفسه لمجمل المواطنين على امتداد الأراضي اللبنانية إذ لا يمكن للمواطن الواحد إيجاد اكثر من أربعة الى ستة ممثلين عنه، فعدد أكبر قد يتجاوز اختياره ويكون من اختيار سواه. ويحدد المواطن خياره بصرف النظر عن المذهب أو المنطقة احتراماً وضماناً لحريته.
ولتسهيل مهمته وحثه على أداء دوره المدني، يمكنه التصويت قرب مكان إقامته أو خارجه وفقاً لإرادته. وبعد الإدلاء بصوته، يُشطب اسمه تلقائياًّ لتفادي تكرار هذه العملية بواسطة نظام معلوماتي يربط بين مجمل المناطق – وهو نظام آن الأوان لإنشائه.
وبعد انتهاء عملية التصويت، يفوز المسيحيون الأربع والستون الأوائل الذين حصلوا على أكبر عدد من الأصوات والمسلمون الأربعة والستون الأوائل حسب التجزئات المنصوص عليها.
بهذه الطريقة، يكون المواطنون واثقين من أنهم سيحظون على التمثيل الذي يريدون بمنأى عن التدخلات غير القانونية (كالاجتذاب أو التهديد والتأثير الأجنبي) التي قد تؤثر في قرارهم، إذ يستحيل السيطرة على أكثر من مليون شخص يصوّتون في اليوم نفسه ويحظون بإمكانية اختيار أشخاص منتشرين على امتداد مساحة الوطن. في الوقت عينه، ينخفض الفساد الى أدنى حدّ له، فيما قد تحظى البرامج الانتخابية بمزيد من الأهمية…
ويمكن الإلتفات بصورة مُكَمِّلة إلى تعديل سقف النفقات والدعاية إلخ… لضمان بعض التكافؤ في حظوظ المرشحين، كما يمكن إعادة النظر في سنّ الاقتراع بحيث تكون القوانين أكثر ترابطاً: فإذا كان الزواج مسموحاً في الثامنة عشر من العمر فلمَ لا يسمح بالتصويت؟
ليس من قانون بشري كامل، لكن يفترض بكل قانون أن يتضمن على الأقل بعض الأولويات. ومن شأن ما أوردناه للتوّ أن يبرز بوضوح الفرق بين مهمة النائب ومهمة عضو مجلس البلدية، ما قد يسمح طبعاً بتكريس المواطنية وإرساء القواعد لديمقراطية حقة عبر تسهيل حق التصويت واحترام حرية الاختيار بمعزل عن المصالح الشخصية والطائفية والفئوية. كما وتكمن الحسنة الرئيسية لهذا النظام بقدرته على الحدّ من الفساد والتلاعب. وسيتمكن المواطنون مع الزمن،  وبازدياد شعورهم بالمشاركة، من مراقبة تصرف ممثليهم وفهم الرهانات بصورة أفضل، كما سيكون بمقدورهم تصويب الأمور في حال استدركوا خطأهم في الاختيار، متجاوزين الحدود الطائفية ومتحملين كامل المسؤولية في خياراتهم.

اقرأ للكاتب نفسه:

اُكتب تعليقك (Your comment):

تغريدات خارج السرب

إعلان

خاص «برس - نت»

صفحة رأي

مدونات الكتاب

آخر التعليقات

أخبار بووم على الفيسبوك

تابعنا على تويتر

Translate »