الرئيسية » مجتمع » توجهات »

سويسرا: “كش ملك” على الرصيف

برن- معمر عطوي (خاص)

من المشهور أن لعبة الشطرنج التي تحتاج إلى ذكاء وحنكة، تدور بين شخصين جالسين حول طاولة عليها رقعة الأحجار التي يتم تحريكها وفق قانون خاص يجعل اللاعب خاسراً ما إن يتعرض الشاه الذي لديه للتهديد بالقتل من قبل المنافس. لكن في سويسرا تم توسيع هذه الرقعة لتصبح حلبة حقيقية بين متباريين يلعبان وقوفاً بأحجار ضخمة تتمتع بوزن خفيف ويمكن للعديد من الناس مراقبتها براحة تامة.

ثمة وجهات نظر مختلفة حول أصل وتاريخ لعبة الشطرنج، إذ تتضارب المعلومات حول نشأتها بين القرن الثالث والقرن السادس، وما إذا كانت في البداية اختراعاً صينياً أو هندياً أو فارسياً. فمنذ القرن السادس عرفت إيران بأنها موطن لهذه اللعبة التي تعتمد التفكير العميق والدهاء على غرار إدارة الخطط الحربية ورسم السياسات.

الثابت أن هذه اللعبة أصبحت ما بين القرنين التاسع والحادي عشر إحدى أهم الفضائل التي يتغنى بها الأوروبيون، مثل الفروسية، وانتشرت في تلك القرون عبر التوسع الإسلامي نحو “القارة العجوز”، في دول أوروبية مثل إيطاليا وأسبانيا والإمبراطورية البيزنطية وروسيا، رغم أنها جوبهت بفتوى التحريم الكنسي في

مراحل سيطرة الكنيسة على مقاليد السلطة في أوروبا خلال القرون الوسطى تحديداً.

في القرن الثالث عشر دخلت اللعبة الى سويسرا، مع بدايات تأسيس هذا البلد بصورته القديمة السابقة، حيث كانت بين العامين 1248 و1308، جزءاً من المشهد الديكوري لباحات القصور. وكان كانتون برن أول من شهد هذه اللوحات المصنوعة من الصلصال بأحجار خشبية إذ كانت أفضل لعبة لتسلية الحكام ورجال البلاط. هذه الأحجار المصنوعة، غالباً من خشب، باتت اليوم لعبة شعبية بامتياز شكلت عنصراً مهماً من المشهد الجمالي للمدن العريقة وخصوصاً العاصمة برن.

بالقرب من مبنى البرلمان والسلطة التنفيذية في ساحة “برن بلاتز”، تحتل لعبة الشطرنج حيزاً مهماً من حياة السويسريين، إذ يستريح البعض منهم أثناء عودته من عمله، بممارسة اللعبة وسط الساحة، مع صديق أو متطوع جديد، قبل أن يكمل طريقه نحو المنزل. بعضهم يصطحب معه زاده من طعام وشراب تحضيراً ليوم شاق وطويل يقضيه في ممارسة هذه اللعبة التي تتألف من لوحة مرسومة على الأرض الإسمنية وتبلغ نحو المترين بمترين وعليها يصطف الجنود والملك والوزير والفيل والحصان والقلعة (عناصر اللعبة). يتم ترتيبهم على الجانبين باللونين الأزرق والأسود. وحول الحلبة بعض المقاعد التي يستريح عليها المارة والمشاهدون تحت أشجار وارفة، فيما يراقب البعض الآخر من مكانه في المطاعم والمقاهي المجاورة.

تنتشر اللوحات المماثلة في العديد من الحدائق السويسرية أو أمام بعض الفنادق الكبرى مثل ذاك الفندق الذي شهد توقيع الاتفاق النووي بين إيران والدول الست الكبرى (الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا وبريطانيا والصين وألمانيا) في جنيف العام 2015، حيث كانت لوحة الشطرنج الكبيرة تظهر في صورة على هامش المفاوضات وكأنها توحي بصعوبة التفاوض السياسي الذي بات يشبه كثيراً تحريك أحجار الشطرنج في ظل قوى عظمى ودول متحالفة أو تابعة ومنظمات مسلحة تقوم بتطبيق المعارك التي ترسمها السياسات الكبرى.

لعل لعبة الشطرنج التي تشكل رمزية واضحة للعبة الأمم في السياسة، تعبّر عن مستوى المواطن السويسري الثقافي واحترامه للوقت بحيث يقضيه بما هو مفيد ومثمر. فمنذ خمسين عاماً أنشأت بلدية برن هذه اللعبة على نطاق جماهيري واسع في الساحة، بحسب ما يقول أحد الرجال كبار السن الذي يداوم على اللعب أو المشاهدة يومياً. هنا حيث تعج المنطقة بالسياح الأجانب والمطاعم والمقاهي ودور السينما والمسارح وقاعات الموسيقى، يصبح للعبة الشطرنج طعم آخر يؤكد فرضية مشاركة الإنسان السويسري بصنع القرارات، ليس فقط من خلال المشاركة باستفتاءات عديدة سنوية حول قوانين تهم البلاد، كما هو سائد في هذا البلد المتنوع القوميات، بل بممارسة حيز من السياسة بصورتها التسلوية الثقافية الراقية التي تعكس صورة البلد الأوروبي كمعقل لتخريج أبرز العلماء والفنانين والكتاب ولتصدير أهم الاختراعات والابتكارات العلمية.

ما ان تصل الى ساحة برن الشهيرة ستظهر أمامك تلك الرقعة الجميلة يمكنك بكل سهولة أن تشارك بعض روادها اللعب والتي غالباً من توشك على الانتهاء حين يتقدم احد الطرفين ممهداً لفوزه بالقول “كش ملك”.

اُكتب تعليقك (Your comment):

تغريدات خارج السرب

إعلان

خاص «برس - نت»

صفحة رأي

مدونات الكتاب

آخر التعليقات

أخبار بووم على الفيسبوك

تابعنا على تويتر

Translate »