روسيا: تعبئة عامة مُقنّعة تصعيد محتمل في 2026
خالد العزي
وقع فلاديمير بوتين مرسومًا في ديسمبر 2025 يقضي بإرسال جنود الاحتياط إلى معسكرات تدريب في عام 2026، وجاء التبرير الرسمي «لحراسة البنية التحتية الحيوية» في جميع أنحاء روسيا. وقد دخل المرسوم حيز التنفيذ في 30 ديسمبر 2025.
يصر الكرملين على أن هذا ليس تعبئة عامة، لكن قلة من المحللين المتابعين يأخذون على محمل الجد هذا التبرير. ووفقًا لتقييمات معهد دراسات الحرب، يُرجح أن هذه الخطوة تشير إلى استعدادات لاستدعاء سري لجنود الاحتياط، نظراً للنقص في أعداد المتطوعين والضغط المتزايد على القوى العاملة الروسية.
أهمية حراسة البنية التحتية
نظريًا، قد يبدو تكليف جنود الاحتياط بحراسة البنية التحتية إجراءً دفاعيًا محدودًا. ولكن في الواقع، يحقق هذا الإجراء ثلاثة أمور بالغة الأهمية:
1-تحرير القوات العاملة: يمكن إعادة نشر الجنود الذين يحرسون حاليًا محطات توليد الطاقة، مراكز السكك الحديدية، المستودعات، ومواقع الدفاع الجويو وإرسالهم إلى الجبهة.
2-إضفاء الطابع الطبيعي على تفعيل قوات الاحتياط: بمجرد استدعاء جنود الاحتياط «للتدريب»، يصبح توسيع أدوارهم إجراءً بيروقراطيًا سهلًا.
3-تهيئة الجبهة الداخلية للتصعيد: لا تحتاج البنية التحتية الحيوية إلى حراسة واسعة النطاق إلا إذا توقعت القيادة الروسية ضغطًا داخليًا وخارجيًا مستمرًا، بما في ذلك غارات الطائرات المسيّرة وأعمال التخريب.
لماذا يشير هذا إلى عام 2026؟
أمضى بوتين ثلاث سنوات يتجنب التعبئة العامة المفتوحة لأنه يدرك المخاطر السياسية المترتبة على ذلك. بدلاً من ذلك، اعتمد الكرملين على عدة استراتيجيات لتوفير القوة البشرية اللازمة، مثل:
1-جنود متعاقدين: يشار به إلى الأشخاص الذين يتم تجنيدهم بعقود لفترة زمنية محددة، مقابل رواتب وحوافز. ويعتمد الجيش الروسي بشكل متزايد على هذه الفئة لتعويض النقص في القوى البشرية نتيجة الحرب.
2-تجنيد السجناء: يتم تجنيد السجناء القابعين في السجون الروسية للقتال في الحرب، حيث يُعرض عليهم تخفيف أو إلغاء عقوباتهم مقابل الانخراط في الجيش. هذه الطريقة أثارت جدلاً نظرًا لكونها تعتمد على استخدام السجناء كقوة بشرية بديلة.
3-الإكراه الإقليمي: يتم من خلاله إجبار المناطق الروسية على توفير عدد معين من المجندين للجيش عن طريق ضغوط محلية أو حكومية. يُستخدم هذا الأسلوب لضمان استمرارية تدفق المجندين دون الحاجة إلى إعلان تعبئة رسمية على مستوى الدولة.
استخدام قوات الاحتياط بشكل تدريجي وقابل للتمويه
ومع ذلك، يقترب هذا النموذج من الانهيار. إن إصدار أوامر لجنود الاحتياط بحراسة البنية التحتية في هذه المرحلة يشير إلى أن موسكو تُمهد الطريق لجهد أوسع نطاقًا في عام 2026، وهو جهد يتوقف عن التظاهر بأن الحرب محدودة.
ويُعدّ هذا مؤشرًا على الضعف لا القوة، لو كانت روسيا قد حققت انتصارًا سريعًا في أوكرانيا، لما كانت بحاجة إلى:
1-استنزاف قوات الاحتياط: يشير إلى استخدام جنود الاحتياط في مهام مستمرة، ما يؤدي إلى تقليص قدرتهم على التوسع أو الردع في حال الحاجة. هذا الاستنزاف يعني أن القوات الروسية تواجه نقصًا في الأفراد المدربين، مما يضغط على الجبهة.
2-حماية البنية التحتية المحلية بأفراد مستدعين: يتعلق بتوجيه جنود الاحتياط لحماية البنية التحتية الحيوية مثل محطات الطاقة والمرافق الحكومية بدلاً من الانخراط في القتال المباشر. هذه الخطوة تعكس ضعفًا في توفير قوات كافية لحماية الداخل الروسي في أوقات الحرب.
3-إخفاء التعبئة العامة تحت غطاء قانوني: يتضمن استخدام الذرائع القانونية لإخفاء تعبئة جنود الاحتياط بشكل سري، مثل تصنيفها كـ “تدريبات” أو “أنشطة مؤقتة”. هذه الأساليب تسمح للكرملين بتجنب ردود الفعل السلبية الداخلية أو الدولية المتعلقة بالتعبئة العامة الصريحة.
إن هذا المرسوم يعكس المخاوف من وصول حرب الطائرات المسيّرة إلى عمق روسيا، وانهيار القوى البشرية على الجبهة، وفقدان السيطرة على التصعيد العسكري.
https://understandingwar.org/
بوتين وبيانات الأرقام
لكن قلة من المحللين الجادين يصدقون هذه الأرقام والبيانات التي ترسلها روسيا ويحاولون عدم التماه معها أو تضخيمها. وفقًا لتقييمات معهد دراسات الحرب، فإن هذه الخطوة تشير على الأرجح إلى استعدادات لاستدعاء سري لجنود الاحتياط، مدفوعة بنقص مستمر في المتطوعين وتزايد الضغط على القوى العاملة الروسية، والاستعداد لإطالة عمر الحرب في أوكرانيا ومحاولة استفزاز أوروبا.
وفي سياق متصل، نرى ذلك من خلال ما أعلن بوتين مؤخراً عن وجود حوالي 700 ألف جندي روسي في أوكرانيا. ولكن متابعة الأرقام التي ذكرها الرئيس الروسي منذ 4 سنوات تدل على نوع من المداورة بين قوات الاحتياط والمحاربين على مختلف الجبهات. وتدل أيضاً على أعداد القتلى من الجنود الروس، وإن كان من الصعب إجراء عملية عملية حسابية بسيطة:
• 200 ألف – عند غزو أوكرانيا في 24/02/2022
• 100 ألف – في مكتب تنسيق العمليات
• 300 ألف – تعبئة في نهاية 2022
• 480 ألف – متطوعون في 2023
• 450 ألف – متطوعون في 2024
• 240 ألف – متطوعون في 2025
المجموع: 1,770,000 جندي، بينما بقي 700 ألف جندي في الخدمة، ما يعكس استنزافًا هائلًا للقوات الروسية.
في الواقع تقوم المصادر الغربية بإجراء عملية حسابية بسيطة لتقول أن عدد القتلى من الجيش الروسي يتجاوز المليون قتيل، ولكن هذا غير منطقي، قد يكون عدد القتلى مرتفع ولكن هذه المصادر تأخذ بعين الاعتبار فقط الأرقام المعلن عنها دون احتساب دورات انتهاء الخدمة أو انتهاء عقود التطوع في الجيش، أو انتهاء فترة الجبهة بالنسبة للمساجين.
التعبئة العامة المُقنّعة في روسيا
إن القرار الأخير بإرسال جنود الاحتياط لحراسة البنية التحتية في 2026 ، هي ببساطة، خطوة نحو تعبئة عامة مُقنّعة. لا يُشير بوتين إلى الثقة في النصر، بل إلى الاستعداد لحرب لم يعد يعتقد بإمكانية خوضها بأنصاف الحلول. عندما يُستدعى جنود الاحتياط لحماية المؤخرة، فهذا يعني أن الجبهة ستأخذ حيزاً مهماً من مجهود القتال، وستستنزف كل مقومات الجيش الروسي.
وهذا مؤشر على أن يبدأ الكرملين بدأ بهدوء يعيد تنظيم تنظيم المجتمع استعدادًا لحرب طويلة، أي أن بوتين لا يرى مخرجًا سريعًا، بل يسعى لإدارة التصعيد على كافة الأصعدة.
وهذا يؤكد النظرية القائلة بأن الرئيس الروسي يشتري الوقت لإعادة تموضعه، وأخذ النفس وتقييم التجربة الماضية من خلال التحايل في عملية التفاوض التي يحاول من خلالها استجلاب تعاطف ترامب مع نظريته القائمة على إنهاء الحرب لعقد صفقات تجارية، حتى لو كان ذلك على حساب أوكرانيا والحلفاء الأوروبيين.
د. خالد العزي

