الرئيسية » الحدث »

حرب في أوروبا؟

كتب جوزف كيروز

رادوسلاف سيكورسكي، وزير الخارجية البولوني، أوقع الذعر في نفوس النوّاب الأوروبيين لدى إلقائه أخيراً كلمة في مجلس سترازبورغ، ذكر فيها أنّ أوروبا قد تشهد حرباً على أراضيها في غضون السنوات القليلة المقبلة، نتيجة أزمة الديون السيادية المستعصية على الحلّ في مجمل دول القارة العتيقة باستثناء ألمانيا.

ولمّا فرغ من كلمته وهمّ بالخروج، هرع إليه عدد من النوّاب المذهولين بما سمعوا منه، واستوقفوه فارضين عليه إجراء مؤتمر صحافي في الحال للوقوف على جدّية ما أذاعه، ونوعية مصادره وإذا ما كان يمكن الوثوق بها.

الوزير سيكورسكي، وبلده بولونيا على رأس الاتحاد الأوروبي في دورته الحالية، أكّد مجدّداً، في المؤتمر الصحافي، المعلومات الاستنتاجية التي ساقها قبل قليل في خطابه، ولكنه نسبها، هذه المرّة، إلى “مصرفي كبير”، حسب قوله، رافضاً أن يذكر اسمه أو يكشف عن هويته، مكتفياً بتوضيح لا يوضّح شيئاً: “أعلمني المصرفي الكبير انه يسعى، على وجه السرعة، للحصول على البطاقة الخضراء الأميركية لابنه للفرار من أوروبا عندما تقع الحرب المتوقعة”.

وأضاف سيكورسكي، على لسان المصرفي، “لن تتمكّن الدول الأوروبية من سداد ديونها، بل إن هذه الديون ستتضاعف خلال السنوات المقبلة، وستتسبّب في النهاية بإفلاس البنوك وضياع أموال صغار المدخرين. وهذا في وقت تكون البطالة بلغت معدّلات لا تطيق احتمالها حكومات ديموقراطية كتلك التي تشهدها الدول الأوروبية حالياً”.

هذا السيناريو المرعب، الذي كشف عنه وزير خارجية بولونيا أو صديقه “المصرفي الكبير”، ليس مجرّد خيال سينمائي قد يتجسّد في فيلم يُعرض في المستقبل القريب. كثير من السياسيين الأوروبيين يتوجّسون خيفة من ما ستؤول إليه معضلة الديون السيادية التي تراوح مكانها من دون آمال جدّية بتخطّيها. ولكنّ معظمهم لا يصرّحون بما يعرفون، والعلّة جليّة: الخوف من خسارة الشعبية والرسوب في الانتخابات. لذلك، تراهم يسرفون في التفاؤل متعمدين. ولعلّهم مصيبون بعض الشيء في إشاعة التفاؤل بإمكانية تخطّي الديون هذه، استناداً إلى القول الشهير: إن جزءاً كبيراً من الانتعاش الاقتصادي يقوم على عوامل نفسية وليس فقط على أرقام معدّلات الإنتاج والإستهلاك، لولا أن حجم الديون في الغرب الأوروبي والأميركي كشف عن إفلاس حقيقي للعديد من دول هذا الغرب، وليست اليونان وحيدةً في الهوّة السحيقة.

أهل الاقتصاد والمال أكثر جرأة من السياسيين، فتراهم ميّالين إلى التشاؤم، في الغالب، بإمكانية إيجاد الحلول الشافية لمرض الديون السيادية، وفي الأقلّ خلال السنوات القريبة. ولكنهم، هم أيضاً، غارقون في التناقضات. نقرأ ونسمع منهم شيئاً اليوم، وفي الغد شيئاً آخر ينقض ما سبق أن قالوه. عمّموا، قبل فترة، رأياً مدعوماً بتحليلات ذكية وأرقام مقنعة، مفاده أنّ الاقتصاد الالماني، بنموّه المتين (3 في المئة سنوياً) كفيل بامتصاص الديون اليونانية خلال وقت قريب. ولم تكد الناس تستبشر خيراً، وتنسى مخاوفها من احتمال إفلاس بعض المصارف نتيجة هذه الديون، حتى انتشر رأي آخر، مدعوم هو أيضاً بتحليلات ذكية وأرقام مقنعة، يقول إن الاقتصاد الالماني، على متانة نموّه وقدرته على البقاء كذلك بضع سنوات، لا يستطيع امتصاص الديون السيادية في أوروبا، إذ تبيّن أن اقتصاديات دول أخرى غير اليونان تعاني المرض نفسه وإن اختلفت الأعراض والأوجاع بعض الشيء.

ربّما تحققت تكهّنات سيكورسكي وربما لا تتحقق، ولكنّ من المؤكّد أنَ الانكماش الاقتصادي سيغيّر الكثير من معالم أوروبا.

اقرأ للكاتب نفسه:

اُكتب تعليقك (Your comment):

تغريدات خارج السرب

إعلان

خاص «برس - نت»

صفحة رأي

مدونات الكتاب

آخر التعليقات

    أخبار بووم على الفيسبوك

    تابعنا على تويتر

    Translate »