الرئيسية » أخبار العرب »

«ربيع المصرفيّين» يعمّ أوروبا

باريس ــ بسّام الطيارة
في العالم العربي، مع تردد، يستعمل الجميع وصف «الربيع العربي» للإشارة إلى موجة الثورات التي أطاحت بعدد من الزعماء وتستعد للإطاحة بآخرين. في أوروبا لا تردد من وصف تهاوي الحكومات الواحدة تلو الأخرى نتيجة موجات الإفلاس بـ«ربيع المصرفيين». إذ إنه رغم الخطابات والقرارات وأصابع الاتهام التي توجه إلى «المضاربين والماليين» والدعوات لردع المصارف عن استعمال الديون السيادية لجني أرباح طائلة وتهديد اقتصاديات العالم، فإن النتائج السياسية لموجة الإفلاسات هي انتصارلا لبس فيه للمصرفيين ولـ«تقني المال».
التغيير الحكومي في إيرلندا، التي شكلت أول حبة من عنقود الإفلاسات، بات بعيداً عن ذاكرة واجهة الإعلام، إلا أن عملية تغيير الطاقم الحاكم اليوناني لا تزال قريبة،  وكذلك عملية التخلص من اليميني برلوسكوني وأعقبها أمس الانتهاء من الحكم الاشتراكي في اسبانيا، من هي الدولة المقبلة التي سوف يدفع حكامها ثمناً غالياً لإفلاس دولتهم؟ اللائحة لاتزال لم تغلق والعناوين مصطفة تنتظر «مشيئة الأسواق والمضاربين» لاختيار حاكم جديد لها.
هذا الوصف ليس إنشائياً ولكنه يعكس وجهة نظر شرائح واسعة من الطبقات المتوسطة التي تدفع غالياً ثمن اقتراض حكامها من مصارف وصناديق استثمار جنت ثروات طائلة تعادل أضعاف الديون السيادية المتراكمة. وترى هذه الشرائح أن «المصرفيين باتوا يحكمون الدول»، ومثل ما هو الحال في الدول النامية التي يفرض عليها لأسباب اقتصادية أو سياسية خبراء تكنوقراط قادمين إما من مصارف كبرى أو (وهي الموضة الحالية في أوروبا) من البنك الدولي.
لوقا بابانديموس كان نائباً لرئيس البنك الدولي. ومارس التعليم في هارفارد وكان عنوان محضارته الرئيسية «الأزمة الاقتصادية العالمية: إجابات وتحديات». ماروي مونتي، الذي حلّ محل سيلفيو برلوسكوني، هو أيضاً استاذ اقتصاد، إلا أنه قبل ذلك كان في المفوضية الأوروبية مسؤولاً عن «السوق المشتركة» قبل أن يستلم مهام مفوض «المنافسة»، قبل أن يتلقاه مصرف «غولدمان أند ساخس» الشهير الذي «ساعد اليونان على تزوير ميزانياتها لتدخل الاتحاد الأوروبي»، ما سهل لها إمكانية الحصول على القروض التي جنى من ورائها المصرف الأموال الطائلة!
ويقول الخبراء إن هذين «الخبيرين» أتيا من منظمات دولية لإطفاء «الحرائق التي أشعلها المضاربون والمصارف بولاعات مدتهم بها هذه المؤسسات». فالمفوضية الأوروبية فتحت الأسواق للمنافسة المطلقة ورفعت كل القيود على المضاربات وهي قرارات تؤخذ جماعياً،أي أن مونتي كان من الفريق الذي قرر «إشعال هذه الحرائق الإفلاسية» والمساهمة بإثراء المصارف على ظهر فوائد فاحشة.
بابانديموس كان حاكما للمصرف المركزي اليوناني بين عامي ١٩٩٤ و٢٠٠٢ أي في السنوات التي «هيأت اليونان» لدخول منطقة اليورو بعد تقديم «ما ثبت أنها ميزانيات مزورة»، في حين كانت العواصم الأوروبية الأخرى تنظر في اتجاه آخر ويسيل لعاب مصارفها للفوائد المنتظرة من جراء إقراض اليونان بعدما باتت عضواً في الاتحاد.
رئيس الوزراء الجديد في إسبانيا ماريانو راخوي عمل سابقاً كمفتش في مصلحة «الرهونات» وهذه الخبرة سوف تساعده لمواجهة «الهجمة الجديدة» للمصارف وصناديق الاستثمار، التي ما أن أعلن عن وصول اليمين إلى الحكم حتى بدأت تضارب على الديون السيادية لاسبانيا فتراجعت بورصة مدريد نقطتين، بينما ارتفعت الفوائد على الديون السيادية لتصبح ٦،٧ أي بفارق ٧٢٤ نقطة عن أسعار ديون ألمانيا التي تعتبر المؤشر الأساسي للقروض المتوسطة الأجل.
يسأل الجميع من هو البلد المقبل؟ فرنسا تستعد لانتخابات رئاسية تعقبها انتخابات نيابية. المؤشرات تدل على إماكنية تغيير الوجه السياسي لفرنسا ولكن فارق النقاط في فوائد الديون الفرنسية ما زال أقل بـ ٢٠٠ نقطة من أسعار الديون الألمانية (كل ١٠٠ نقطة تشير إلى واحد في المئة من الفوائد الإضافية التي تزيد من مجمل فوائد فرنسا ٣ مليار يورو سنوياً) وهو ما يهدد علامة تقييم مديونية فرنسا الحالية (AAA)، أي أن المصرفيين لا ينظرون إلى اللون السياسي للحكم بل ينظرون فقط إلى ما يمكن أن تجلبه لجيوبهم الفوائد التي تترتب عن إجراءت يكونون في أغلب الأحيان وراء إقرارها.
إنه حقا «ربيع المصرفيين».

اُكتب تعليقك (Your comment):

تغريدات خارج السرب

إعلان

خاص «برس - نت»

صفحة رأي

مدونات الكتاب

آخر التعليقات

    أخبار بووم على الفيسبوك

    تابعنا على تويتر

    Translate »