الرئيسية » ثقافة وفنون » أدب »

الساعة السادسة مساءً (جان بول سارتر)

مقطع من رواية “الغثيان” للكاتب الفرنسي جان بول سارتر.

تعريب: معمر عطوي (كاتب صحافي لبناني)

لا أستطيع القول إني مرتاح أو راضٍ، بل على العكس، أنا محطّم. بيد أني أدركت غايتي. أصبحت أعرف ما يجب أن أعرفه؛ فهمت كل ما حصل لي منذ كانون الثاني. “الغثيان”∗∗ لم يبارحني ولا أعتقد أنه قد يفارقني قريباً؛ لكني لن أتحمله لفترة أطول. إنه ليس مرضاً مزمنا أو نوبة عابرة، إنه أنا.
إذن، كنت في هذا الوقت في المنتزه، حيث كان جذر شجرة الكستناء مغروزًا في الأرض تحت مقعدي، لم أستطع التذكّر ما اذا كان جذرًا، في أي حال، قد تلاشت الكلمات وتلاشى معها معنى الأشياء، وطرق استعمالها والعلامات الضعيفة اللامعة التي تركها البشر على سطحها.
كنت أجلس منحنيًا إلى الأمام، ملوي الرأس، وحيداً أمام  هذه الكتلة المعقدة السوداء الفظّة كلياً، والتي أرعبتني. بعد ذلك، تحقق لي هذا الإشراق.

تركني مقطوع الأنفاس تماماً. خلال هذه الأيام القليلة فهمت معنى “الإنوجاد”. كنت مثل الآخرين، مثل البعض الذي يتمشى على شاطىء البحر بالثياب الربيعية الزاهية. تحدثت مثلهم “المحيط أخضر، تلك البقعة البيضاء في الأعلى هي نورس البحر”.  غير أني لم أشعر بوجودها، فعادة تخفي الكينونة نفسها، إنها كذلك من حولنا، في داخلنا، إنها نحن. لا يمكن قول كلمتين من
دون ذكرها، أيضاً لا يمكنك أن تمسّها.

حين كنت أعتقد أني كنت أفكر فيها، كان يجب أن أعتقد بأني لم أفكّر بشيء. رأسي كان خاويًا، أو ربما كانت هناك كلمة واحدة في رأسي. كلمة” ليكن” (ليوجد) كنت أفكر كيف يمكن شرح ذلك. كنت أفكر في الانتماء. كنت أحدّث نفسي، أن البحر ينتمي إلى نوع الأشياء الخضراء، أو أن الخضرة كانت جزءًا من كيفية البحر.

كذلك عندما كنت أنظر الى أشياء، كنت استبعد التفكير بأنها كانت كائنة، كانت تبدو لي بشكلها الخارجي. كنت أمسكها بيدي، وأقدّمها كأدوات، تنبأت بمقاومتها. هذا كل ما حدث خارجياً.
إذا سألني أي كان ما هي الكينونة، سأجيب بثقة كبيرة بأنها لا شيء. ببساطة شكل فارغ أُضيف الى الأشياء الخارجية من دون أي تغيير في طبيعته. وبعد ذلك كل الصدف كانت هناك جلية مثل النهار. الكينونة كشفت النقاب عن نفسها فجأة، وفقدت صفتها كرؤية مجردة آمنة: لقد كانت عجينة الأشياء. هذا الجزر كان معجوناً بالكينونة.
في الواقع، الجذر، بوابة المنتزه، المقعد، والأعشاب المتناثرة، كلها متلاشية. لم يكن تنوع الأشياء، خصوصيتها، كان فقط متمظهرًا بمظهر خادع. هذا المظهر الخارجي قد انصهر، ترك كتلاً ضخمة. كل ذلك في الفوضى، عريّ مرعب، عريّ فاحش.

تركت نفسي بعيدًا عن حركة الإستخفاف، لم أجد نفسي بحاجة لكي أتحرك في إطار المشهد، خلف الأشجار، أعمدة زرقاء وأعمدة إضاءة ومنصة للفرق الموسيقية والفيلادا، وسط جبل لوريل. كل هذه الأشياء… كيف يمكن أن أشرح ؟ أزعجتني. كنت أود أن أرغب بها لكي أنوجد بأقل قوة. وأكثر جفافاً، في طريق أكثر تجرداً، مع احتياطي أكبر.

شجرة الكستناء ضغطت على عيني. الصدأ الأخضر كان مغطياً نصف الطريق نحو الأعلى؛ لحاء الشجر أسود ومنتفخ، بدا كالجلد المدبوغ.
خرير المياه في نافورة ماس- كويرت، صدح في أذنيّ وأقام له فيهما عشًا، ملأها بالتنهدات؛ ثقبا أنفي فاضا برائحة العفن الأخضر. كل الأشياء، سارت نحو الكينونة باحترام ولطف، النساء المسترخيات اللواتي برزن فجأة ضاحكات، قلن”من الجيد أن يضحك المرء” بصوت ندي. انخرطن في موكب واحد يتبادلن الأسرار الفاضحة حول كينونتهن.
أدركت ذلك، لم يكن هناك خط وسط بين انعدام الكينونة والفيض الوافر. إذا كنت كائناً، فلا تحقق لهذه الكينونة بأي حال إلاّ بقدر التعفن والتورم والقذارة.

في عالم آخر، الدوائر، الفواصل الموسيقية تحتفظ بخطوطها النقيّة والصلبة. لكن الكينونة هي انحراف، فالأشجار، وأعمدة الليل الزرقاء، خرير مياه النافورة، روائح قاتلة، غشاوة رقيقة ساخنة رقيقة تطفو في الهواء البارد.
رجل مشعّر أحمر مستلقي على المقعد ويهضم: كل هذا النعاس، كل هذه الوجبات المهضومة مع بعضها، تندرج تحت الإطار الكوميدي المضحك… لا: لم تذهب بقدر ما إذا العدم الموجود يمكن أن يكون مضحكاً: كان مثل التشابه العائم. تقريباً هو في حيرة كلية، مع مظهر معيّن من الفودفيل(الملهاة المسرحية). كنا كومة من المخلوقات الحيّة. غاضبون، معقّدون بشأن أنفسنا. لم نحمل سبباً سخيفاً لنكون هناك.

كل واحد منا مشوّش بغموض مخيف، يشعر بأن وجوده مبالغة  بالنسبة للآخرين. استطعت تأسيس علاقة بين هذه الأشجار، الأبواب والحصى بعبثية. حاولت أن أحصي أشجار الكستناء، لموضعتهم بواسطة صلتهم مع الفيلدا، لمقارنة ارتفاعها مع ارتفاع شجر الدلب: كل من هذه الأشجار تهرّبت من علاقتها حيث كنت أحاول تطويعها وجمعها. انفصلت عن بعضها وفاضت. هذه العلاقات التي أقمتها (وأصرّيت على تأكيدها بهدف تأخير تداعي العالم الإنساني، المعايير والمقادير والاتجاهات). أحسست بنفسي أنني سأكون الحكم ليس لوقت طويل.

تعضّ أسنانهم على الأشياء. شجرة الكستناء أمر خارج إطار الإحتياج. كذلك في مقابلي شجرة الفيلدا شيء إضافي لا لزوم له. و”أنا” المغفل ، المسترخي، البذىء، المجتر، مخدوع بأفكار كئيبة – أنا أيضاً  كنت شيئاً إضافياً لا لزوم لي. لحسن الحظ لم أكن أشعر بذلك، مع أني أدركته. لكني لم أكن مرتاحاً لأني كنت خائفاً من الشعور به. (لذلك أنا خائف الآن، خائف أن يمسكني هذا من خلف رأسي ويرفعني عالياً مثل الموجه).
حلمت بشكل غامض أني أقتل نفسي لكي أطمس على الأقل أحد هذه الأحياء غير الضرورية الإضافية.

أيضاً سيكون موتي أمراً ليس ذو أهمية. ستكون جثتي مبالغة لا لزوم لها. دمي على هذه الحصى، بين هذه النباتات، في خلفية الحديقة الباسمة.
ولن يكون لحمي المتعفن أمراً ذا أهمية، أيضاً في الأرض التي ستحتضن عظامي بعد أن يُجرّد عنها اللحم وتُنظّف مثل الأسنان. لن تكون ذات أهمية وسيكون الأمر مبالغة أبدية.

“العبثية” كلمة أخرى، تولد الآن تحت قلمي. حين كنت في الحديقة منذ بعض الوقت لم أجدها، حتى أني لم أكن أبحث عنها، لم أكن أحتاجها. فكّرت من دون كلمات عن الأشياء مع الأشياء. “العبثية” لم تكن فكرة أو صدى للصوت. هي مجرد أفعى ميتة أمام قدمي. هذه الأفعى المتبلّدة، حية أو مخلب أو برثن نسر. ما الفرق الذي يمكن أن تصنعه، ومن دون تشكيل أي شيء بوضوح، أدرك أنني حصلت على مفتاح الوجود، مفتاح “غثياناتي” الخاص بحياتي. في الواقع ، كل ذلك الذي استطعت إدراكه خلف تلك العودة الى العبثية الأصليّة.

العبثية، كلمة أخرى، أنا أصارع ضد الكلمات. هناك في الأسفل لمست الشيء، لكن أردت أن أحدّد وصف هذه العبثية هنا. حركة حدث في عالم متلوّن بالغ الصغر. لرجال نسبياً غير عقلانيّين. عن طريق الظروف الملازمة.
الهذيان المجنون، على سبيل المثال، من المحال موضعته، حيث يجد نفسه. لكن إلى حد قليل، ليس مع الاهتياج. هناك، لا شيء في العلاقة مع المحال، أوه، كيف استطيع وضعها في هذه الكلمات.
العبث له علاقة بالحصى، بأجمات العشب الأصفر. الوحل الجاف، الشجرة، المقاعد الخضراء، العبث المتعذر اختزاله؛ العدم – ليس عميقاً جداً، ثورة سر الطبيعة قد تشرح ذلك.
من الواضح إنني لم أكن أعرف كل شيء، لم أر برعم البذور أو نمو الشجرة. لكن من تصدّى لذلك هي يد الإنسان الغضّة، العظيمة، وليس التجاهل.

المعرفة كانت مهمة: عالم تعاقب القطعة الدائرية حول أطرافها. لكن لم توجد الدائرة. هذا الجذر بشكل آخر، إنوجد في طريق لا يمكن أن أشرح عنه. معقّد، جامد، مغمور. لقد فتنني، ملأ عيني من دون انقطاع، أعادني الى الوراء نحو كينونته. لكن من العبث التكرار.
“هذا جذر” لا يعمل بعد، شاهدت بوضوح أنه لا يمكنك تخطّي وظيفته كجذر. مثل جهاز التنفس، لذلك، الى هذه القشرة القاسية وجلد الأسد البحري والمظهر الزيتي، الوظيفة لم تشرح شيئاً: تسمح لك أن تفهم بشكل عام بأن هناك جذرًا. لكن ذلك ليس دائماً، إن هذا الجذر بلونه، بشكله وحركته المتخثّرة، كان تحت كل الشروحات.
كان كل من خاصياته يهرب منه قليلاً بسيل إلى الخارج، نصف متجمّد، تقريباً يأتي بشيء؛ كل واحد كان زيادة في الجذر والجذر الواسع الآن أعطاني الانطباع حول تبسيط نفسه قليلاً، متبرئاً من وجوده ليخسر نفسه في الإفراط المتزايد.

حككت عقبي بهذا المخلب الأسود. أردت جرحه قليلاً لا لسبب ما، بل تحدياً لأجعل من الجلد المدبوغ لون القرنفل. حين حركت قدمي للخلف وجدت أن القشرة ما تزال سوداء. سوداء، شعرت بأن الكلمة تنكمش، تفرغ من المعنى بسرعة استثنائية، سوداء.
الجذر لم يكن أسوداً ، بعض الشيء أو تقريباً أسود. بعد قليل توقفت عن سؤال نفسي لأني شعرت بمعرفة أين كنت. نعم، أمعنت النظر تماماً بالأشياء غير المعدودة، مع اضطراب عميق. حاولت في ذلك الحين – بعبث- أن أفكر بشيء ما حولها.
شعرت ببرودتها وسكونها، تتفلّت مني وتنزلق بين أصابعي. مثل حمالة بنطلون أدولف.
في المساء التالي في مقهى  “راي واي مينز رونديفو”، لم تكن الحمالة بنفسجية. رأيت اللطختين المتعذّر تفسير وجودهما على القميص. والحصاة، تلك الحصاة العتيدة، أصل هذا العمل كله: لم أتذكّر تماماً ماذا كانت هذه الحصاة، وما كانت ترفض أن تكونه، لكن لم أكن قد نسيت مقوماتها السلبية. ويد الرجل العصامي التي صافحتها يوماً في المكتبة، وشعرت بعد ذلك أنها لم تكن يداً حقيقية. فكرت في دودة ضخمة بيضاء، وهذه لم تكن كذلك. كذلك كانت الشفافية الملتبسة لزجاج البيرة في مقهى “مابلي”.

الالتباس: ما كان ذاك؟، الأصوات والعطور والذائقات تنسلّ تحت أنفك مثل الأرانب الجافلة، وأنت لم تعط انتباهك كثيرًا. عليك أن تصدّقهم ليكونوا بسطاء ومطمئنين. عليك أن تصدّق أن ذلك كان أزرقاً حقيقياً. لكن حالما أدركت استمريت للحظة. هذا الشعور بالراحة والأمان اسُتبدل بانزعاج عميق: الألوان والذائقات والعطور لم تكن حقيقية، لم تكن هي نفسها ولا عدمها. النوعية البسيطة الأكثر التباسًا هي ذات مضمون أهم، بالنسبة لنفسها، في قلبها.
ذلك السواد أمام قدمي، لم يكن يبدو كسواد، لكن في الواقع كان الجهد المشوش لتخيل السواد من أحد لم يرَ السواد من قبل. ولم يبتغ أن يعرف كيف يتوقّف.
من هو الذي يريد تخيل كائن ملتبس خلف الألوان.. تتمظهر كأنها ألوان، لكن أيضًا.. مثل كدمة أو افراز. مثل التحلب(الرشحان)- وشيء ما.
الأمر الآخر، رائحة على سبيل المثال، انصهرت مع رائحة تراب ٍ ندّي، وخشب دافئ ورطب، الى رائحة تفوح مثل رائحة الطلاء فوق هذا الخشب الحسّاس، الممضوغ بنكهة ألياف حلوة – لم أر ببساطة هذا السواد. فالمشهد هو ابتكار محض، فكرة مبسّطة. ذلك السواد غير متبلور، ضعيف الحضور، مشهد متجاوز الى مدىً بعيد. رائحة ومذاق.

لكن هذا الفن استُهلك في لعبة الغوص ولم يبق منه شيء مع أنه كان وافرًا جدًا.
هذه اللحظة كانت استثنائية. كنت هناك، من دون حركة، متجمّد، مستغرق في النشوة الرهيبة. لكن شيئًا في صميم القلب بزغ فجأة ً في تلك النشوة. أدركت “الغثيان” ، وامتلكته. لكي أكون صريحًا ، لم أضع اكتشافاتي لنفسي في نسق، لكنني ظننت أنني قد أصيغها في كلمات.
الشيء الأساسي هو المصادفة. عنيت ذلك الشيء الذي لا يمكنه تعريف الوجود كضرورة. لكي نوجد، من البساطة أن نكون هناك. المنوجدون هناك يدعون أنفسهم للتلاقي. لكنك لن تستطيع أبدًا استنتاج أي شيء منهم. أؤمن أن هناك أناسًا قد فهموا هذا. فقط هم حاولوا ليقهروا هذه المصادفة، بإبداع  كائن الضرورة. المسبّب لنفسه.

لكن ليس هناك كائن ضروري يستطيع شرح الوجود؛ المصادفة ليست وهمًا وليست احتمالاً لا يمكن أن يتبدد؛ قد يكون المُطلق، بناءً على هذا، الهدية الحرة التامة. الكل حر. هذا المتنتزه، هذه المدينة  ونفسي. عندما تدرك ذلك سيخفق قلبك ويفيض من الأعلى نحو الأسفل وكل شيء سيغور، مثل مساءٍ آخر في “رايل واي مانز رونديفو”. الغثيان هنا، هناك يوجد ما هو زائف – الشخص في ” كوتوفيرت” وأشياء أخرى تحاول أن تختبيء من نفسها مع أفكارها وحقوقها. لكن ما هو الموقع الفقير: لا أحد لديه أية حقوق؛ إنهم كلياً أحرار. مثل الرجال الآخرين لا يستطيعون النجاح مع فيضان الشعور. وفي أنفسهم ، بسرية هم شيء إضافي لا لزوم له، ذلك القول غير متبلور، ملتبس وحزين.

الى أي مدىً يمكن أن يبقى هذا السحر؟ كنت جذر شجرة الكستناء. في الواقع كنت واعيًا بكينونتها كليًا، وكنت في نفس الوقت منفصلاً عنها؛ ومع ذلك كنت ضائعاً فيها، ولا شيء غيرها. وعي مضطرب ولكنه مع ذلك رضخ بحجمه الى هذه القطعة الخشبية الميّتة.
الوقت توقّف، مستنقع أسود صغير عند قدمي، كان من المحال لأشياء أن تأتي بعد تلك اللحظة. أردت تمزيق نفسي بلعبة وحشيّة. لكن لم أتخيّل بأنها ستكون ممكنة؛ كنت الجذر الأسود برمّته، لم يتحرك، بقي جالسًا هناك، أمام عيني، مثل قطعة طعام عالقة في قصبتي الهوائية. لم أستطع أبدًا قبولها أو رفضها. الى أي قدر رفعت عيني. هل رفعتهما؟. في الواقع لم أطمس نفسي من أجل لحظة على أساس أن أولد من جديد في هذه اللحظة مع رأسي المرمي للخلف وعينيّ البارزتين للأعلى؟. في الواقع لم أكن إنسان التحول. لكن فجأة طرأت بغير إمكان لأفكر بكينونة الجذر. لقد ُطمست، استطعت إعادتها بعبثية، إنها منوجدة. لا تزال هناك، تحت المقعد، أمام قدمي اليمنى، لوقت طويل لم تعني لي شيئًا.

الكينونة ليست شيئاً يترك ذاته كفكرة من مجال. يجب أن يغزوك فجأةً ، يتغلّب عليك. يزن بثقل في قلبك مثل الوحش عديم الحركة. أو آخر لا شيء هناك أبدًا.

لا شيء إضافي؛ عيناي كانت فارغة، كنت مسحوراً في رأيي . بعد ذلك وفجأة بدأت بالحركة قبل أن يدخل عينيّ الضوء. حركات غير محددة، الريح كانت ُتحرّك أعلى شجرة. لم ُيثر غضبي من أجل رؤية الحركة. كان تغيّرًا من هذه الكائنات غير المتحركة التي شاهدتني من عينين متألقتين.

حدّثتُ نفسي عن متابعة حركة الأغصان: الحركات غير موجودة تمامًا. كانوا ينتقلون من حال إلى أخرى، متوسطة بين كائنين. لحظات من الضعف توقعت رؤيتها آتية من العدم، تنضح تدريجيًا، زهرة تتفتح، ذهبت لمفاجئة كائنات في حال الولادة.

لم يمض أكثر من ثلاث ثوان على  تدمير أحلامي، لم أستطع وصف حركة الزمن لهذه الأغصان التي تتلمس طريقها الدائري مثل رجل كفيف. هذه فكرة الإنتقال ما تزال إبداعًا انسانيًا. الفكرة كانت شفافة جدًا. كل هذه الإثارات التافهة، ُرسمت بنفسها. انفصلت. فاضت بالأوراق والأغصان أينما كان. دارت سريعًا حول اليدين الفارغتين طوّرتهما مع الزوبعة الصغيرة.

بالطبع كانت الحركة مختلفة بعض الشيء عن الشجرة. لكنها كانت ما تزال شيئاً مطلقًا. وكانت عيناي تلتقيان دائماً بما هو موجود. أطراف الأشجار تزدان بالكينونات المتجددة، وكأنها لم تولد بعد. وكانت الريح الكائنة تستريح على الشجرة مثل ذبابة زرقاء كبيرة. الشجرة كانت ترتعد، لكن الرعدة لم تكن صفة حديثة التولّد. الإنتقال من القوة الى الفعل؛ كان شيئًا، ارتعاشة انسلّت الى داخل الشجرة، لتملكها. ثم فجأة تبارحها وتلجأ للدوران حول نفسها.

كل شيء كان ممتلئاً ونشيطًا. لم يكن هناك تقصير لجهة الوقت، كل شيء كان ناشطاً  ممكن إدراكه عقليًا. الكل ممزوج بالكينونة. وكل هذه الكينونات التي تنشط بقوة حول هذه الشجرة جاءت من اللّامكان، وذهبت أبعد: الكينونة بلا ذاكرة، في الزوال تتذكّر العدم. هي ليست ذاكرة في الوقت عينه. الكائنات موجودة أينما كان، غرقتُ في المقعد مذهولاً، مبهورًا بوفرة الكائنات من غير أصل:
في كل مكان تزهر، تُفرّخ. حتى في أذنيّ طنّت الكينونة، قشعريرة مرت في جسدي، هتكته، تبرعمت، كانت كريهه. لكن لماذا فكّرت؟. لماذا الكثير من الكينونات متماثلة؟. أين تكمن الإيجابية في استنساخ الشجرة لمثيلاتها. لذلك فقد الكثير من الكائنات، بعناد، بدأت ثانية وثانية تختفي مثل الجهود الصعبة المراس للحشرات التي تسقط على ظهرها (كنت واحدًا من هذه الجهود ). تلك الوفرة لم تؤمّن التأثير الكافي، بل على العكس. كانت كئيبة، قلقة، مرتبكة تجاه نفسها. هذه الأشجار هذه الأجساد الخرقاء.
بدأت بالضحك، لأنني فجأة فكّرت بالينابيع الهائلة الموصوفة في الكتب بأشكالها المكسّرة. بالظهورات المفاجئة، بالانفجارات الضخمة. كان هناك هؤلاء الحمقى الذين جاؤوا ليخبروك عن قوة الإرادة والصراع من أجل الحياة. ألم يشاهدوا من قبل حيوانًا أو شجرة ؟. هذه شجرة الدلب- بلحائها المتسلق، البلوط الفاسد جزئيا، أرادني أن آخذه. كان هناك انسياب صعودي مندفع يكاد يلامس السماء. الجذر؟. أردت من دون شك لأن أقدمه كمخلب كاسر يمزّق كل ما على الأرض، يلتهم طعامه؟

من غير المحتمل رؤية أشياء في تلك الطريقة. النقائص، زلّات، نعم، الأشجار عائمة. منسابة نحو السماء؟، أو على العكس نحو الانهيار.

في كل لحظة توقعت أن أرى جذوع الأشجار ذابلة مثل القضبان الواهنة. تتجمع وتسقط على الأرض كومة خفيفة بثنيات، كومة سوداء لم ترد أن تنوجد، لم تستطع مساعدة نفسها. لذلك مالت الى عملها الخاص بهدوء؛ وردة الخندق ارتفعت ببطء نحو البنية، بممانعة جزئية، والجذورغرقت ببطء في الأرض. لكن مع كل لحظة بدت على شفير مغادرة كل شيء هناك وتلاشت.

متعبة وقديمة، استمرت في التواجد، تجاه السطح، ببساطة، لأنها كانت أضعف من أن تموت، لأن الموت لا يأتيها إلاّ من الخارج. لم يكن سوى ألحان موسيقية تحمل موتها في ذاتها كضرورة داخلية، بيد أنها لم تكن موجودة.

كل شيء كائن يولد من دون سبب، يستمر بدافع الوهن، ويموت بالمصادفة. مِلتُ الى الوراء وأغلقت عيني. لكن الصور كانت تخطرني. وثبتت فورًا لتملأ عينيّ المغلقتين بالكينونات. الكينونة هي الكمال الذي لا يستطيع الإنسان الفتك به.

الصور الغريبة كانت تمثل تعدّد الأشياء. لا الأشياء الحقيقية. الأشياء الأخرى التي بدت مثلها.
الأشياء الخشبية التي بدت مثل الكراسي، الأحذية، أشياء أخرى بدت مثل نباتات.
ثم وجهان: الزوجان اللذان كانا يتناولا طعامها قبالتي، الأحد الماضي في “برازيرفيزاليز” . سمينان  حاميان، شبقان عبثيان.  بأذنين حمراوين. تمكنت من رؤية عقد المرأة وأكتافها.
كائن عاري.
هذان الاثنان أعطياني الدور فجأةً – كانا لا يزالان موجودين في مكان ما.
في ” البوفيل”∗؛ في مكان ما وسط الروائح؟ هذا الجيد الناعم المنمّق، المصقول  بمحاذاة أشياء ملساء، قابعة في المحرّمات.
يتمرأى ثديا المرأة من خلف قميصها. كأنها تفكر: “حلمتاي فاكهتي المفضلة”.
تبتسم بحياء، ايحاءاتها تشيرالى نضارة نهديها اللذين كانا يدغدغانها.. بعدها صرخت لأجد نفسي مع عينيّ المفتوحتين وسعهما. هل كان هذا الحضورالضخم حلمًا؟.  كان هناك في الحديقة متداعيًا وسط الأشجار، ناعماً برّمته كثيفا يلطّخ كل شيء. وكنت في الحديقة خائفاً، مستاءً، إعتقدت أن الأمر كان غبيًا، كذلك خارج المكان كرهت هذه الفوضى المُقرفة، التي تتسلّق صعودًا  صعودًا نحو الأعلى وتملآ كل شيء بسقوطها  الممزوج بالهلام. وكنت أشاهده أعمق وأعمق، متجاوزًا حدود الحديقة. ومن البيوت وبوفيل، ببعد حدود الرؤية. في اللامكان، لم أتفاجأ، علمت أن ذلك العالم، العالم العاري، فجأة أظهر نفسه. وكنت أختنق غضباً من هذا الكائن العبثي.
لا تستطيع في أي حال التساؤل عن  شيء، عن الكينونة، كيف يأتي العالم، وعن العدم. كان العالم منوجدًا في كل مكان، أمام، خلف، هناك لم يكن شيء قبل ذلك موجودًا في كل لحظة. كان هذا ما يثير استيائي لم يكن هناك سبب لوجود تلك اليرقة المتدلّية، لتنوجد. لكن لم يكن ممكناً عدم وجودها. لكي يتخيّل المرء العدم يفترض به أن يكون قد مر بالوجود. هناك في قلب العالم مفتوح العينين على سعتهما. العدم كان مجرد فكرة في رأسي، فكرة موجودة في هذا المجال الرحب لم يسبق هذا العدم الوجود، كان وجوداً مثل أي وجود آخر. ظهر بعد العديد من الكينونات الأخرى.

صرختُ: ” قذارة”، “دعارة نتنة”، وثرت للتخلص من هذه القذارة المقيتة.
لكنها كانت قوية جداً في ممانعتها. كان هناك الكثير من الأطنان والأطنان من الكينونات. وكدت أخيرًا أن أختنق وسط هذا القرف الكبير. وفجأةً فرغ المنتزه وأصبح مثل حفرة خاوية. لا أدري هل توارى العالم كما أتى؟ أم أني صحوت – بأي حال ، لم أعد أر منه الكثير.
العدم غادرنا، لكن الأرض الصفراء لا تزال من حولي خارج الأغصان الميتة التي تتصاعد نحو الأعلى. نهضت وغادرت خارجًا. نحو البوابة. ثم أدرت نحو الحديقة وابتسمت. ملتُ نحو البوابة وأنا أراقب ابتسامات الأشجار. الغارعنى شيئًا ما: هذا كان السر الحقيقي للوجود. تذكرت يوم أحد مر منذ ثلاثة أسابيع. لقد تحرّيت في كل مكان عن نوع تآمري من الهواء، هل كان يستهدفني؟. غادرت بشعور السأم، لم يكن لدي طريقة للفهم ومع ذلك كان هناك ينتظر، هناك فوق، جذع شجرة الكستناء، كانت شجرة الكستناء تفكّر – يجب أن تدعوه أفكاراً حيث تتوقف في منتصف الطريق. تنسى نفسها. تنسى ما كانت تود التفكير به. وتبقى وحدها مع معنىً متواضع يتخطّاها. هذا الشعور أزعجني، لم أفهمه. حتى لو بقيت أميل نحو البوابة لقرن؛  تعلمت كل ما استطعته حول الكينونة وانصرفت الى الفندق، وهذا ما كتبت.

∗     . Selection from Jean ,Paul Sartre, Nausea,  HYPERLINK “http://www.anselm.edu/dbanach/nausea.htm”www.anselm.edu/dbanach/nausea.htm, 2005
∗    ∗  رواية كتبها جان بول سارتر عام 1938،متاثرا بالفلسفة الالمانية الوجودية مع هوسرل ، وتحمل اسم انطوان روكنتان كبطل للاحداث.
∗    ∗∗ مدينة فرنسية فيها مرفأ  اتخذت اسم بوفيل ، وفيها عاش سارتر في فندق رخيص عندما كان يدرس الفلسفة هناك.

اُكتب تعليقك (Your comment):

صحافة اسرائيل

إعلان

خاص «برس - نت»

صفحة رأي

مدونات الكتاب

آخر التعليقات

    أخبار بووم على الفيسبوك

    تابعنا على تويتر

    Translate »
    We use cookies to personalise content and ads, to provide social media features and to analyse our traffic. We also share information about your use of our site with our social media, advertising and analytics partners.
    Cookies settings
    Accept
    Privacy & Cookie policy
    Privacy & Cookies policy
    Cookie name Active

    Privacy Policy

    What information do we collect?

    We collect information from you when you register on our site or place an order. When ordering or registering on our site, as appropriate, you may be asked to enter your: name, e-mail address or mailing address.

    What do we use your information for?

    Any of the information we collect from you may be used in one of the following ways: To personalize your experience (your information helps us to better respond to your individual needs) To improve our website (we continually strive to improve our website offerings based on the information and feedback we receive from you) To improve customer service (your information helps us to more effectively respond to your customer service requests and support needs) To process transactions Your information, whether public or private, will not be sold, exchanged, transferred, or given to any other company for any reason whatsoever, without your consent, other than for the express purpose of delivering the purchased product or service requested. To administer a contest, promotion, survey or other site feature To send periodic emails The email address you provide for order processing, will only be used to send you information and updates pertaining to your order.

    How do we protect your information?

    We implement a variety of security measures to maintain the safety of your personal information when you place an order or enter, submit, or access your personal information. We offer the use of a secure server. All supplied sensitive/credit information is transmitted via Secure Socket Layer (SSL) technology and then encrypted into our Payment gateway providers database only to be accessible by those authorized with special access rights to such systems, and are required to?keep the information confidential. After a transaction, your private information (credit cards, social security numbers, financials, etc.) will not be kept on file for more than 60 days.

    Do we use cookies?

    Yes (Cookies are small files that a site or its service provider transfers to your computers hard drive through your Web browser (if you allow) that enables the sites or service providers systems to recognize your browser and capture and remember certain information We use cookies to help us remember and process the items in your shopping cart, understand and save your preferences for future visits, keep track of advertisements and compile aggregate data about site traffic and site interaction so that we can offer better site experiences and tools in the future. We may contract with third-party service providers to assist us in better understanding our site visitors. These service providers are not permitted to use the information collected on our behalf except to help us conduct and improve our business. If you prefer, you can choose to have your computer warn you each time a cookie is being sent, or you can choose to turn off all cookies via your browser settings. Like most websites, if you turn your cookies off, some of our services may not function properly. However, you can still place orders by contacting customer service. Google Analytics We use Google Analytics on our sites for anonymous reporting of site usage and for advertising on the site. If you would like to opt-out of Google Analytics monitoring your behaviour on our sites please use this link (https://tools.google.com/dlpage/gaoptout/)

    Do we disclose any information to outside parties?

    We do not sell, trade, or otherwise transfer to outside parties your personally identifiable information. This does not include trusted third parties who assist us in operating our website, conducting our business, or servicing you, so long as those parties agree to keep this information confidential. We may also release your information when we believe release is appropriate to comply with the law, enforce our site policies, or protect ours or others rights, property, or safety. However, non-personally identifiable visitor information may be provided to other parties for marketing, advertising, or other uses.

    Registration

    The minimum information we need to register you is your name, email address and a password. We will ask you more questions for different services, including sales promotions. Unless we say otherwise, you have to answer all the registration questions. We may also ask some other, voluntary questions during registration for certain services (for example, professional networks) so we can gain a clearer understanding of who you are. This also allows us to personalise services for you. To assist us in our marketing, in addition to the data that you provide to us if you register, we may also obtain data from trusted third parties to help us understand what you might be interested in. This ‘profiling’ information is produced from a variety of sources, including publicly available data (such as the electoral roll) or from sources such as surveys and polls where you have given your permission for your data to be shared. You can choose not to have such data shared with the Guardian from these sources by logging into your account and changing the settings in the privacy section. After you have registered, and with your permission, we may send you emails we think may interest you. Newsletters may be personalised based on what you have been reading on theguardian.com. At any time you can decide not to receive these emails and will be able to ‘unsubscribe’. Logging in using social networking credentials If you log-in to our sites using a Facebook log-in, you are granting permission to Facebook to share your user details with us. This will include your name, email address, date of birth and location which will then be used to form a Guardian identity. You can also use your picture from Facebook as part of your profile. This will also allow us and Facebook to share your, networks, user ID and any other information you choose to share according to your Facebook account settings. If you remove the Guardian app from your Facebook settings, we will no longer have access to this information. If you log-in to our sites using a Google log-in, you grant permission to Google to share your user details with us. This will include your name, email address, date of birth, sex and location which we will then use to form a Guardian identity. You may use your picture from Google as part of your profile. This also allows us to share your networks, user ID and any other information you choose to share according to your Google account settings. If you remove the Guardian from your Google settings, we will no longer have access to this information. If you log-in to our sites using a twitter log-in, we receive your avatar (the small picture that appears next to your tweets) and twitter username.

    Children’s Online Privacy Protection Act Compliance

    We are in compliance with the requirements of COPPA (Childrens Online Privacy Protection Act), we do not collect any information from anyone under 13 years of age. Our website, products and services are all directed to people who are at least 13 years old or older.

    Updating your personal information

    We offer a ‘My details’ page (also known as Dashboard), where you can update your personal information at any time, and change your marketing preferences. You can get to this page from most pages on the site – simply click on the ‘My details’ link at the top of the screen when you are signed in.

    Online Privacy Policy Only

    This online privacy policy applies only to information collected through our website and not to information collected offline.

    Your Consent

    By using our site, you consent to our privacy policy.

    Changes to our Privacy Policy

    If we decide to change our privacy policy, we will post those changes on this page.
    Save settings
    Cookies settings