بسّام خالد الطيارة
كتبت قبل أيام وبمناسبة زيارة البابا ليون ١٤ لفرنسا مقالة (آنقر هنا) سلطت خلاله الضوء على التباين بين مواقف اليمين الفرنسي، الكاثوليكي بشكل عام، ومواقف الفاتيكان بالنسبة للقضايا الاجتماعية من مسألة اللاجئين إلى قضايا الهجرة مروراً بمسائل «الشجع الرأسمالي». ولكن في ضفة اليسار الفرنسي الذي رغم ابتعاده عن الديانات، وهو تقليد ثوري يطلق عليه عنوان العلمانية، فهو يتوافق مع الفاتيكان حول تلك المسائل الاجتماعية. بالمقابل فإن اليمين الفرنسي له تقاطع مهم يتوافق فيها مع الفاتيكان في مسائل اجتماعية أخرى مثل الموت الرحيم والاجهاض وزواج المثليين، وهو ما يتناقض مع اليسار الفرنسي الذي يحمل هذ المسائل كعنوان للحداثة الاجتماعية.
كيف يمكن إسقاط هذا التحليل على بلد مثل لبنان تتعايش داخله مجموعة من الديانات تنقسم إلى طوائف، بموازاة قاعدة لأحزاب سياسة متنوعة، تذهب من أقصى اليمين إلى أقصى اليسارمع ارتباطات بعض الأحزاب بقواعد دينية تجعل من البلد موزاييك ديني سياسي تصعب عبره أي قراءة عقلانية؟
اليسار واليمين في لبنان مسألة معقدة في قراءة الفاتيكان لمجريات الأمور اللبنانية !
ولكن لنبدأ باليمين!
بالطبع البابا عندما يتحدث عن لبنان فهو يتحدث عن أحد أقدم بلاد المسيحين في الشرق بعد أن اضمحل وجودهم في بلد المسيح فلسطين نتيجة الضغوط والضربات الاسرائيلية. العلاقة بين الفاتيكان ولبنان تاريخية، وتتمحور العلاقة السياسية بين باباوات الفاتيكان واليمين اللبناني حول عدة مسائل معقدة نظراً لأنه الفاتيكان له نظرة رعوية تأخذ بعين الاعتبار المحافظة على هذا الحضور المسيحي، وبالتالي الأخذ بعين الاعتبار الجناح اللبناني الثاني الممثل بالمسلمين.
اليمين في لبنان تمثله تقليدياً القوى والأحزاب المسيحية مثل الكتائب والقوات اللبنانية، والأحرار والتيار الوطني. ولكن هذه لأحزاب تقف أمام مجموعة من العقد في علاقتها مع الحبر الفاتيكاني. مما لا شك فيه أن التقارب الروحي والوجودي يربط الكتل المسيحية بالفاتيكان. ولكن هذه العلاقة تشهد في العديد من المراحل تبايناً سياسياً حاداً في الرؤى والخيارات الإستراتيجية في خضم الأزمات اللبنانية المتعددة منذ ما يزيد عن سبعة عقود.
الفاتيكان في عهدي البابا بولس السادس والبابا يوحنا بولس الثاني، حث الكتلة المسيحية على الانفتاح والتجذر في المحيط العربي وتدعيم الجسور مع المكونات الإسلامية كافة، على أساس أنها إحدى ضمانات العيش المشترك وتحصين الحضور المسيحي في الشرق.
خلال الحرب الأهلية رفض الفاتيكان التقوقع والانعزالية، وذهب أبعد من ذلك في رفضه الأمن الذاتي لـ«مكون مسيحي» الذي حملته بعض الأحزب والمنظمات المتطرفة. كما نبه الفاتيكان من التحالفات الإقليمية الضيقة (إسرائيل) معتبراً أنها تهدد الوجود المسيحي على المدى الطويل بدلاً من حمايته.وركزت كل خطب الباباوات على صون «صيغة الشراكة الإسلامية – المسيحية».
وهنا يكفي صيغة العيش المشترك ما صرح به البابا يوحنا بولس الثاني في لبنان عام 1997، وعبارته الشهيرة “لبنان أكثر من وطن، إنه رسالة حرية وتعددية للشرق والغرب ».
ما موقف الفاتيكان من اليسار اللبناني؟
في عودة لعدة خطوات تاريخية نرى أن «بدايات اليسار» في لبنان مع بداية بداية الانتداب الفرنسي تمت على أيدي … مسيحيين أبرزهم يوسف إبراهيم يزبك وفؤاد الشمالي الذين، مع مجموعة من المثقفين، الذين وضعوا اسس «حزب الشعب اللبناني» (١٩٢٤). وكان هذا التيار يحمل نزعة اشتراكية تنويرية منذ أواخر العهد العثماني. ثم جاء الحلف مع مجموعة أرمنية ((سبارتاكوس) ليتشكل «الحزب الشيوعي اللبناني» (١٩٢٥). من هنا نرى أن القاعدة الأساسية التكوينية لليسار في لبنان كانت تعتمد على المثقفين المسيحيين وعلى نقابات ذات قيادات مسيحية.
ومع تطور المجتمع اللبناني بدأت النقابات العمالية تنتظم وكذلك برزت وجوهاً مسيحية مثل نقولا اللحام وبرجيس أبو صالح (جمعية العمال النجارين ١٩٣٥)، وبعده إلياس الهبر، و«السيدة» وردة بطرس إلى جانب مصطفي العريس (اتحاد نقابات مستخدمي وعمال لبنان) وهم بعض ممن ساهم في تنظيم الصفوف العمالية تحت شعار اليسار الذي أفضى إلى نيل بعض الحقوق للعمال.
لم يكن يكن اليسار في هذه المرحلة يحمل أي من التناقضين: التناقض الطائفي، وتناقض الهوية اللبنانية والتي تبين فيما بعد أهميتهما لدى بعض الأفواج. هذا هو التناقض بين الانتماء اللبناني الذي حمله المسيحيون والمد العربي الذي بدأ يطرق أبواب لبنان.
رغم هذا مثّل اليسار «طريقاً جديداً» بين فكرة الدولة اللبنانية الوليدة، ونظم إيديولوجيته في إطار تحدى النظام الطائفي والمحاصصة المذهبية التي كرسها الانتداب الفرنسي، وطرح رؤية علمانية طبقية واقتصادية.
جاء ذلك بالتوازي مع بروز روافد فكرية أحيت أفكاراً حملها «رواد النهضة العربية» وبينهم عدداً من المسيحيين إلى جانب عبد الرحمن الكواكبي مثل نجيب العازوري وقسطنطين زريق، من هنا بدأ تأثر اليسار اللبناني بالمد القومي العربي بعد نكبة فلسطين ومن ثم مد التيارالناصري، وكذلك بأفكار حزب البعث العربي الاشتراكي الذي من بين مؤسسيه «المسيحي» ميشال عفلق.
رغم تصنيف الحزب التقدمي الاشتراكي الي أسسه كمال جنبلاط ضمن حلقة اليسار، ورغم ارتبطه بالفلاحين والفئات المحرومة، ثم قيادته للحركة الوطنية فإنه صُبغ بمسحة طائفية، كما سيكون الحال مع عدد من الأحزاب الإسلامية.
نادت الحركة اليسارية في لبنان منذ بداياتها بإلغاء الطائفية السياسية وإجراء إصلاحات ديمقراطية شاملة مع تبنّي للقضية الفلسطينية.
من هنا ظل الفاتيكان بعيدا عن انتقاد الحركات اليسارية اللبنانية لأن مطالبها بإلغاء الطائفية، كانت تشكل «درعاً» للمكون المسيحي يحميه من المد الإسلامي الذي بدأ منذ «فورة النفط والبترودولار» يجتاح الدول العربية. أضف إلى أن المطالب الاجتماعية لليسار ولليمن في لبنان تلتقي مع «إيديولوجية الكنيسة».
حين تختلف الكنيسة مع اليمين المتطرف يكون محور الاختلاف هو «استقبال اللاجئين» (الفلسطينين بعد النكبة وبعد أيلول الأسود، ثم السوريين بعد انطلاق الثورة السورية)، وفي هذا المضمار تلتقي الكنيسة مع اليسار في لبنان.
يوجد في لبنان نواة صغيرة جداً ليسار متطرف ينقل مطالب يرسمها تحت قوس «التقدمية والحداثة» وهي أساسا مستوردة من الغرب لا تتلاقى مع مجمل شرائح الشعب اللبناني (المسلمين قبل المسيحيين) مثل تشريع الإجهاض، والاعتراف الكامل بالزواج المثلي.
أخيراً يجب الإشارة إلى مجموعات يسارية مدنية جديدة مسيحية ومسلمة انبثقت عقب الحراكات التي رافقت انتفاضة 17 تشرين 2019 وركزت على قضايا العدالة الاجتماعية، ومحاربة الفساد، والنظام الطائفي، مبتعدة عن أيديولوجيات الحرب الأهلية التقليدية. وهذه المجموعات تلتقي بقوة مع نطلعات الكنيسة لك ما يحدث في لبنان.