٤٠ ألف مليار ديون أميركا ولا أحد يرفع صوته

حميع زعماء أوروبا ينصتون في البيت الأبيض كالطير على رؤوسهم والديون في مواجهتهم
بسام خالد الطيارة
نهاية الصيف تقترب بسرعة: الرئيس ماكرون يقضي صيفه الأخير في حصن الرئاسة في بريغانسون، بينما رئيس الوزراء لوكورنو يُجهد نفسه لإيجاد حل للدين الفرنسي!
كيف يمكن تحقيق التوازن في الميزانية؟
الأفكار تتدفق: إعلان عن تقنين جديد للمعاشات التقاعدية بحلول عام ٢٠٢٧؛ وزير الاقتصاد يُريد إلغاء ربط المعاشات التقاعدية التي تزيد عن ٣٠٠٠ يورو بالتضخم. ما يقارب ١.٤ مليون متقاعد – هذا عدد كبير من الأصوات التي ستُفقد لأي مرشح رئاسي مُقرب من الحكومة!
ما العمل ؟
في عهد الملكية، لجأ الملوك الفرنسيون أحيانًا إلى ابتزاز أصول الدائنين بشكل صريح، ما أدى فعليًا إلى إلغاء الدين. وفي بعض الأحيان، كانوا ينهبون أموال المصرفيين اليهود للتهرب من سداد القروض.
ولكن لقد ولّى ذلك الزمن!
يبلغ الدين الفرنسي ٣.٤٨٢ تريليون يورو. ولا شك أن المسؤولين في الحكومة الفرنسية على دراية تامة بالوضع! ولكن لماذا لا يلتفتون إلى الجانب الآخر من المحيط الأطلسي؟
تجاوز الدين الحكومي الأمريكي عتبة رمزية قدرها 40 تريليون دولار (حوالي 34 تريليون يورو)، أي ما يعادل عشرة أضعاف الدين الفرنسي. كما أنه يعادل ضعفين ونصف ضعف دين الاتحاد الأوروبي (15.4 تريليون يورو).
وإذا نظرنا إلى الاقتصادات الأوروبية الكبرى، فإن فرنسا ليست متخلفة عن الركب (بغض النظر عما يقوله اليمين): ألمانيا 2.726 تريليون يورو، إيطاليا 3.18 تريليون يورو، إسبانيا 1.74 تريليون يورو، وهكذا، وكلها باليورو بالطبع.
في أمريكا في عهد ترامب، ارتفع الدين بشكل حاد عقب إصدار السندات الأخير، نتيجة لزيادة الاقتراض المتعلق بالرعاية الصحية والضمان الاجتماعي، والإنفاق العسكري، بالإضافة إلى الفوائد المدفوعة أو المستحقة.
هذه الزيادة أسرع من المتوقع. وتأتي في ظل مخاوف من التضخم، لا سيما مع الصراع في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار الطاقة، مما دفع تكاليف الاقتراض إلى مستويات قياسية. بلغت أسعار الفائدة على سندات الخزانة طويلة الأجل (30 عامًا) أعلى مستوياتها منذ عام 2007.
يُجبر هذا الحكومة الأميركية على إنفاق المزيد لإعادة تمويل نفسها، مما يُفاقم ديونها. لكن المستثمرين لم يتخلوا عن شراء السندات طويلة الأجل من الصندوق الأميركي.
لقد ألحق دونالد ترامب ضررًا بالغًا بالمالية العامة لبلاده؛ إذ تم بلوغ عتبة تاريخية، مما أثار قلق الأسواق، ومع ذلك تستمر في الاستثمار، وبالتالي شراء سندات الخزانة الأمريكية.
كان دونالد ترامب قد وعد بخفض الإنفاق الحكومي وتقليل العجز السنوي. لكن استراتيجية ربط الضغط السياسي بالتعريفات الجمركية المفروضة على جميع الدول أثبتت أنها فخ للاقتصاد الأمريكي. فقد تضخمت الميزانية بسبب الحكم القضائي الذي نقضته المحكمة العليا في فبراير وأمرت بردّ الرسوم الجمركية للشركات!
كما استهلكت المغامرات العسكرية، ولا سيما تلك المتعلقة بالنزاع مع إيران، مليارات الدولارات. إن سيطرة ترامب على الكونغرس ومجلس النواب تعني أنه لا الكونغرس ولا هيئات الرقابة الحكومية الأمريكية قادرة على فحص الإنفاق وتأثيره على الدين الوطني بشكل صحيح.
أمريكا تعيش فوق إمكانياتها المالية… لكن ليس فوق إمكانياتها العسكرية.
ليست القوة العسكرية هي ما يجذب المستثمرين… بل إغراء الربح! لقد أصبحت مسألة الدين الأمريكي، “الاقتراض والإقراض”، أشبه بركوب دراجة… وكما قال الراحل شيراك، إذا توقفت الدواسة، تتوقف الدراجة وتقع سينهار الاقتصاد العالمي بأكمله!
مع ذلك، بدأت دول كبرى بسحب حيازاتها بهدوء: تبلغ حيازات الصين من سندات الخزانة الأمريكية حاليًا حوالي 633.4 مليار دولار (بيانات أغسطس 2026). لكن بالمقارنة بأرقام ما قبل 2022، يمثل هذا المبلغ انخفاضًا كبيرًا عن ذروته التاريخية التي تجاوزت 1.3 تريليون دولار.
ستزيد العقوبات المفروضة على روسيا بسبب عدوانها على أوكرانيا من تردد من يستثمر في سندات أميريكا ويزداد هذا التوجه للانكماش. على سبيل المثال، انخفضت استثمارات المملكة العربية السعودية في سندات الخزانة الأمريكية إلى 142.5 مليار دولار، بعد أن كانت في ذروتها عند 160 مليار دولار. يستغل ترامب تهديدات إيران للمملكة كورقة ضغط، فوعدت الرياض باستثمارات بقيمة 600 مليار دولار، تُخصص في المقام الأول لشراء الأسلحة وبناء محطة طاقة نووية “ناعمة”.
وماذا عن أوروبا؟ يمتلك الاتحاد الأوروبي أصولًا واستثمارات مالية في الولايات المتحدة تُقدر بنحو 13 تريليون دولار، ما يجعله أكبر دائن ومالك للأصول الأجنبية في السوق الأمريكية. يشمل هذا المبلغ الاستثمارات المباشرة، والأسهم، والسندات، وسندات الدين الحكومية.
ورغم ذلك، لا تجرؤ أورسولا فون دير لاين على معارضة إجراءات ترامب القسرية لفرض عقوبات على القوانين الأوروبية وسياسات الاتحاد الأوروبي.
في الواقع فإن إغراء الربح هو ما يدفع الأوروبيين إلى…البقاء على الدراجة.

