ذكريات الماضي ترافق تطوير ألمانيا لقوتها العسكرية

بسّام خالد الطيارة
في مجتمع الطابق الثاني كما سبق لنا وكتبنا (راجع انقر هنا ،انقر هنا وكذلك هنا ). يعيش سكان هذا الطابق حياة رغد وسعادة، قد لا يتقاسمها جميع مواطنو هذه المجتمعات «المتقدمة»، الّا أنهم يتقاسمون بعضاً من هذه السعادة. توجد قواسم مشتركة مثل الإجازات الصيفية والتأمين الصحي وضمانات التقاعد، وإن كانت ذات نوعية مختلفة حسب ميزانيات المواطنين.
في أوروبا يتابع الأوروبيون نشرات الأخبار ومواقع التواصل الاجتماعي والمواضيع التي سيركز عليها المواطنون مثل المسحورين بالعالم الرقمي هذه السنة هي بشكل عام: مضيق هرمز، خزعبلات ترامب اللفظية أسعار الطاقة، رغم أنهم لا حيلة لهم للتأثير على تقلباتها…وبطولة كأس العالم لكرة القدم… أما مطبات قمة حلف شمال الأطلسي (ناتو) فهي تأتي لماماً بين خبر وأخر.
هنا يكمن خطأ الأوروبيين!
في الاتحاد الأوروبي، وفي عواصم القارة العجوز ، ثمة أخبار «سارة» مفادها أن ألمانيا تستثمر أخيرًا بجدية في دفاعها.
الجميع يصفق.
برلين قررت تخصيص مئات المليارات من اليورو، ما يسمح لها بزيادة ميزانيتها الدفاعية إلى 152 مليار يورو في عام 2029، أي ما يعادل 3.5% من ناتجها المحلي الإجمالي، مقارنةً بـ 2.3% في عام 2025، وبذلك تستجيب برلين لنداءات متكررة في أوروبا والولايات المتحدة لزيادة الاستثمار في وسائل «الدفاع».
مع ذلك، في بعض الدول، ولا سيما فرنسا وإيطاليا وبولندا، يُثير هذا الجهد المالي، غير المسبوق منذ الحرب الباردة، توترًا يعود لذكريات بعيدة تذكر بعنجهية ألمانيا النازية.
قبل الإعلان عن الأرقام الخيالية بالنسبة للمستوى الأوروبي كان «رادوسلاف سيكورسكي»، وزير الخارجية البولندي، السابق يقول «أخشى تقاعس ألمانيا عن التسلح أكثر من قوتها».
صحيح أنه في بعض أنحاء أوروبا، يُعدّ هذا التسلح بمثابة بالون أوكسيجين في جسم أوروبا الدفاعي كما في السويد وفنلندا وهولندا، حيث هناك ابتهاج بزيادة الإنفاق وفرصة للتعاون الوثيق مع برلين في مجال المعدات.
وكذلك في بعض دول أوروبا الوسطى، التي تُعتبر بمثابة «الحديقة الخلفية» لألمانيا إو ما سُمي في عهد النازية بـ«هنترلاند». يُنظر في أوروبا الشرقية إلى تراكم القوة هذه على أنه وعد بالتنمية الصناعية والاقتصادية. ولكن لا يغيب عن بعض المراقبين البعد التاريخي لهذا الاهتمام.
في روما وباريس ووارسو، يثير هذا التطور تساؤلات، ولكن يرتفع مستوى القلق في فرنسا.في الواقع إذ لا ينصبّ التركيز على تداعيات الخلل في ميزان القوى، بل على ما سيحدث لو وصل حزب «البديل من أجل ألمانيا» AFD اليميني المتطرف إلى السلطة في برلين.
في بولندا، يُمثل إعادة التسلح الألمانية مصدر ارتياح وقلق في آنٍ واحد، إذ تُخطط وارسو لتخصيص 4.8% من ناتجها المحلي الإجمالي للدفاع. ويأتي ذلك في محاولة من بولندا لاتباع النهجٍ الذي سار عليه الألمان، بما يعزز بشكلٍ كبير الجناح الشرقي لحلف الناتو وأمن المنطقة.
والجدير بالذكر أن الجيش الألماني موجود بالفعل في ليتوانيا، وهو ما يخدم مصالح وارسو في مواجهة محتملة مع روسيا.
إلا أن طموحات برلين العسكرية الجديدة، إلى جانب صعود حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD)، تُعيد إحياء مخاوف قديمة. حتى أن بعض الأصوات في بولندا تتخوف من صعود اليمين المتطرف الألماني الساعي إلى توثيق العلاقات مع روسيا، إلى جانب تنامي القوة العسكرية الألمانية، حيث يُنظر إليه في وارسو على أنه تهديد حقيقي للنظام الأوروبي على المدى المتوسط والطويل.
وتسعى ألمانيا في الظل إلى توقيع معاهدات دفاع مشترك مع فرنسا في 9 مايو/أيار 2025 ومع المملكة المتحدة في 27 مايو/أيار،وتتضمن هذه المعاهدات بندًا للتضامن في حال وقوع عدوان عسكري.
وقد رفضت بولندا توقيع المعاهدة فتم توقيع اتفاقية أكثر تواضعًا بين برلين ووارسو في 16 يونيو/حزيران،
يحدث كل هذا والأوروبيون يتابعون توترات مضيق هرمز وحزعبلات ترامب وبطولة كأس العالم التي غطت على ويمبلدون هذه السنة!
لكن التوتر في فرنسا من تصاعد القوة الألمانية هو الأكثر وضوحًا بلا شك. ذلك أن الوضع كان تاريخياً قائماً منذ نهاية الحرب الباردة على قاعدة مترابطة «لألمانيا القوة الاقتصادية، ولفرنسا القوة العسكرية أو الاستراتيجية أي النووية». ويتفق المراقبون على أنه منذ انطلاق الحرب في أوكرانيا، بدأ هذا الوضع يتغير.
يسود في فرنسا شعورٌ بالتخلف عن الركب أمام الموارد الضخمة المخصصة للدفاع في ألمانيا (195 مليار في السنة المقبلة مقابل 70 مليار في فرنسا).
وقد حذر رئيس أركان الدفاع، «فابيان ماندون»، أمام مجلس الشيوخ في 13 مايو/أياربقوله « إذا استمرت ألمانيا على هذا المنوال، فلن يكون هناك أي مبرر بعد خمس سنوات للادعاء بأننا نملك الخبرة العملياتية وقاعدة القوة» في أوروبا. إذ يخطط الألمان لإنفاق ثلاثة أضعاف ما تنفقه فرنسا سنويًا. أي كما يقول الجنرال الفرنسي بعد خمس سنوات، سيكون الفرق شاسعًا! بسبب نقص التمويل، وهو ما يسبب قلقاً في المجمع الصناعي العسكري الفرنسي.
يبرر البعض في المانيا بالقول: عندما تمتلك الكثير من المال، يمكنك الحصول بسرعة على ما تحتاجه للدفاع، دون أن تتورط بالضرورة مع شركاء يترددون ويُعقّدون عملية تطوير المعدات ويأخذون وقتاً قبل اتخاذ قرار المشاركة. من هنا نرى أن الألمان يتبنون نهجًا منفرداً. بالنسبة للأمريكيين، باتت ألمانيا هي معيار القوة في أوروبا .
أمثلة كثيرة تشير إلى رغبة ألمانية بالانفراد بصعود قمة القوة: فقد فشل مشروع نظام القتال الجوي المستقبلي الفرنسي الألماني (SCAF)، بسبب انسحاب منه برلين وهو ما أُعلن عنه رسميًا في 8 حزيران/يونيو الماضي. وساهم هذا في تعزيز الشعور في فرنسا بأن ألمانيا تتقدم بمفردها. ولجأت برلين للشق الألماني من شركة إيرباص (المشتركة أصلاً مع فرنسا) لمضي قدما في مشروع منافس يكون ألمانيًا بالكامل وهو ما أعلن عنه في اليوم التالي مباشرة!
ويُقال أيضاً إن مشروع الدبابات الفرنسي الألماني يواجه صعوبات، بينما تم التخلي عن مشروع طائرات الدوريات البحرية والجيل القادم من مروحيات تايغر. كما أن برلين، تخلت مؤخرًا عن مشروع الفرقاطة F126 الذي طُوّرت بالتعاون مع هولندا، وتسعى أيضًا إلى تجهيز نفسها بمنظومة اتصالات خاصة بها بعيدة عن نظام الاتصالات الأوروبي.
كل هذه الخطوات الانفرادية تثير مخاوف بشأن مستقبل مشروع المعدات الأوروبي.
تردد الأوساط الألمانية أنه مع انتهاء ولاية المستشار ميرز في عام 2029 يصادف التاريخ المتداول في الأوساط العسكرية الأوروبية، والتي تروج له الأوساط الألمانية، على أنه الموعد الذي قد تتمكن فيه روسيا من شن عملية عسكرية واسعة النطاق ضد القارة العجوز.
يفسر الخبراء الفرنسيين بأن الترويج لهذا التاريخ هو موجه بشكل مباشر للشعب الألماني الذي يعيش «متمتعاً برخاء السلم» وذلك لتبرير الدفع بميزانيات ضخمة لإعادة تسلح البلاد. ولكن يشير ضابط عسكري فرنسي في صحيفة «لوموند» إلى أن الألمان «لديهم موارد غير محدودة تقريبًا ولكنها تخلق وهمًا، لأن نموذجهم الاقتصادي ضعيف للغاية في الواقع».
على عكس فرنسا، “يتقبل بعض الجيران الأوروبيين بسهولة التطورات في ألمانيا خصوصا في دعم ما يقرب من عشرين دولة لمبادرة «الدرع المضاد للصواريخ» التي أُعلن عنها عام 2022، والتي تشمل استخدام التقنيات الأمريكية والإسرائيلية. وفي هذا خروجًا عما تروج له فرنسا، التي تدافع عن الاستقلال الأوروبي في الشؤون العسكرية.
يقول نواب ألمان «لقد أصبح من الصعب للغاية تطوير مشاريع دفاعية مع فرنسا» ويرون في أن العقيدة الفرنسية تستند إلى الردع النووي وتعطي للسيادة مبادئ جامدة تطبقها أيضًا على الصناعات كافة بما فيها الصناعات العسكرية..
ويرى هؤلاء أن التعاون مع الأمريكيين في تصنيع طائرة إف-35 المقاتلة كان أسهل من التعاون الأوروبي!
ولكن يبقى لدى فرنسا ورقة الردع النووي. ذلك أنه أمام احتمال التراجع الأمريكي في مسائل الدفاع عن أوروبا ، توجهت ألمانيا نحو فرنسا للنظر في تقاسم الردع النووي! أي أن يشمل الردع النووي الفرنسي ألمانيا.
ولقد وضع البلدان نصب أعينهما هدف الوصول إلى المرحلة الأولى قبل نهاية 2026. إلا أن فرنسا على أبواب انتخابات رئاسية ومن الصعب أن يربط إيمانويل ماكرون مصير درة تاج الدفاع الفرنسي وهو على على باب الخروج من الإليزيه.
ومن المتوقع صدور «إعلان فضفاض» في هذا الشأن خلال اجتماع مجلس الوزراء الفرنسي الألماني المقرر عقده في 17 تموز/يوليو في برول، شمال الراين وستفاليا.

